نادي القصة

ارجعني

ارجعني

فتحتُ عينَيّ وسط ظلامٍ دامس، وانتظرت قليلًا حتى اعتادتا الظلام، ثم شيئًا فشيئًا بدأت الأشياء تظهر كالأشباح، تتجسّد ببطءٍ حتى تشكّلت أمامي هيئةٌ بشرية، لا جسدًا بل لباسًا تحرّكه الرياح.
قلتُ صارخًا: من أنت؟
جاءني همهمة ثم صوتٌ ينبعث من كل مكان: أنت تعلم من أنا.
تلفّتُّ حولي، فلم أرَ شيئًا سوى مزيدٍ من الظلام.قلت: أين أنا؟
قال: أنت حيث أنت، أعمالك جلبتك إليّ.
صرخت به: من أنت؟
قال: لا تشغل بالك بمن أنا، بل بما أريد منك.
قلت: ماذا تريد مني؟ أنا لا أدري أين أنا ولا من أنت! لا أعرف شيئًا حتى أقول شيئًا!
قال: قلت لك، همُّك الآن أن تعرف ما أريد منك.
قلت: أريد أن تعيدني حيث كنت.
ضحك قائلًا: هكذا بلا مقابل؟ هناك أمور عالقة يجب أن تنهيها. انظر إلى اللباس.نظرت إليه فإذا بي أرى فتاة.
قال: هل عرفتها؟
بدت مألوفة ثم قلت: لا، لا أعرفها.
قال: أتذكر مريم؟ ابنة الجيران؟
قلت: نعم، نعم، ذلك منذ سنين خلت.
قال: لقد دمّرت حياتها، ألا تعلم هذا؟
قلت: ماذا فعلت؟ كل ما فعلت أنني كتبت لها رسالة عشق ولم ترد عليّ.
قال: تلك الرسالة وقعت في يد والدها، فضربها حتى كادت تفقد حياتها، ثم زوّجها رجلًا لا تطيقه، يكبرها بأضعاف.
قلت: وما ذنبي أنا؟
قال: ذنبك أنك طرقت بابًا لا يحق لك طرقه. ثم هناك لولي.
قلت: من؟ من أنت؟ قل لي!
قال: عدتَ إلى الأسئلة الغبية؟ انظر إلى اللباس.تشكل اللباس في هيئة هرّة.
قلت: وماذا فعلتُ بهذه؟
قال: دعستها بسيارتك وماتت، ثم مات صغارها.
قلت: وما ذنبي؟ هي قفزت أمامي فجأة!
قال: كنت مسرعًا، لكن ما حدث بعدها أسوأ.
قلت: ماذا حصل؟
قال: لولي كانت تلتهم فئران العمة حصة، ومنذ قتلك لها تضاعفت الفئران، حتى جفلت العمة وسقطت من على السلالم، فانكسر حوضها وظلت طريحة الفراش زمنًا. ألم تسمع نصيحة فريدة: “احموا الناس من الطاعون”؟
قلت: لم أكن أعلم… ثم من فريدة؟
قال: لا عليك. ثم ماذا عن جعفر؟
قلت: جعفر!
قال: نعم، جعفر. انظر إلى اللباس.ظهر ولد بدين.
قال: التلميذ الذي سخرتم منه مع رفاقك.
قلت: هم من سخروا منه، كنت أسايرهم فقط، ولو لم أفعل لكنت أنا الضحية التالية.
قال: الولد أصيب بعقدة وكاد ينتحر، ولولا فشله حتى في الانتحار لمات. ثم ماذا عن حمدان؟
قلت: حمدان! من حمدان؟
قال: انظر إلى اللباس.ظهر ولد رشيق.
قال: كَسرتَ قدمه أثناء مباراة كرة القدم، وظلّ يعرج طوال حياته.
قلت: ليس بيدي!
قال: بل برجلك. ثم كمال الدين.
قلت: من؟!
قال: كمال الدين الذي انتقدته حين صرت ناقدًا أدبيًا، فترك الكتابة وأصبح موظفًا تعيسًا. ثم هناك نورة، ونغم، ومسك، و…صرخت: كفى! أريد أن أعود لأصلح كل شيء!
تعالت ضحكات من كل مكان، بأصوات نسائية ورجالية متداخلة: ستعود كما كنت، تكرّر أفعالك نفسها. أنتم جميعًا تقولون الكلام ذاته، وتبدون الندم ذاته، ثم تعودون كما كنتم.قلت متوسلًا: أريد أن أعود! أختار أن أعود! أن أتزوج مريم، أن أتفادى لولي، أن أدافع عن جعفر، وأحمي حمدان، وأنصح كمال الدين! أريد أن أعود… أعود… أعود…حلّ الظلام من جديد، ثم فتحت عينَيّ لأرى وجه امرأة تضع كمامة، ورجلًا بالأبيض يمسح عرقه ويقول:
مرحبًا بك، أيها الوغد الصغير.

بقلم وقلب…. علي الماجد

 

المهندس علي محمد الماجد

أديب وكاتب في الأدب الساخر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى