كُتاب الرأي

بين “هوس” الطبيعة و”فوضى” النصائح

بين “هوس” الطبيعة و”فوضى” النصائح

يبدو أن العالم اليوم قرر أن يجعل من مائدتنا ساحة حرب. فجأة، أصبح حليب البقر سم قاتلاً ، مخصص فقط للعجول الصغيرة، بينما يُطلب منك أن تشربه في الفقرة التالية لأن عظامك وهنت من الجلوس الطويل وتحتاج كالسيوم.
أما التمر، ذلك الرفيق القديم، فقد صار مادة للجدل؛ فبينما يصفه البعض بأنه “قنبلة سكرية” ستُحولك إلى كتلة إنسولين متحركة، يذكرك آخرون بأنه سُنة ونكهة وبركة، لتبقى أنت حائراً بين عداد السعرات وبين نصائح المشاهير الذين يغيرون قناعاتهم مع كل تحديث للتطبيق.
ثم نأتي لقصة الدجاج؛ ذلك الكائن الذي ينمو بسرعة خرافية تجعلك تشعر أنه بحاجة لـ “جلسات دعم نفسي” ليتصالح مع حجمه المفاجئ في خمسة وثلاثين يوماً. يقولون: “كلوا الطير”، ثم يهمسون: “لكن ابتعدوا عن دجاج السوق فكله كيماويات”.
وفي وسط هذه الحيرة، تبرز كلمة السحر: “الطبيعة!”.
النكتة الأقوى أن لا تأكل حيوان، نفسيته تعبانه؟!
رحم الله اجدادنا كانوا يذبحون الخروف إذا مرض قبل أن يموت، لا قالوا مريض ولا قالوا تعبان نفسياً وصحتهم حديد، يتزوجون مثنى وثلاث ورباع وضحكتهم طالعه من القاع.

لكن أين هي هذه الطبيعة الموعودة؟ هل هي في جزر نائية التي لا يزورها إلا الخيال؟ ام في غابات الأمازون أو مزراع فيتنام؟

ولو ذهبت هناك لكنت فريسة سمك قرش أو حشرات سامة أو عصابات اقطاعيه تخطفك وتطلب فدية من زوجتك التي ستضطر لبيع ذهبها لأجلك وهنا فيصل هام بين ايثار الذات أو شريك حياتها الذي أسندت اليه همها.

و موضوع المنتجات “العضوية” التي تُباع بأسعار تجعلك تتساءل: هل نشتري خضاراً أم أسهماً في شركة عالمية؟
لكن هناك سؤال مهم لزراعي المنتجات العضوية ، كيف تقاومون الحشرات والافات ؟
هل يستخدمون “مبيدات طبيعية”، وكأن كلمة “طبيعية” تجعل السم أقل مرارة. الحقيقة أن الزراعة العضوية، برغم نبل فكرتها، تظل رفاهية لا تطعم مليارات البشر الذين يبحثون فقط عن لقمة تسد جوعهم.

أما طريق الشهرة الأسرع اليوم، فهو أن تُهمل جسدك لسنوات بالسهر والوجبات السريعة، حتى إذا أصبت بوعكة، عدت فجأة لـ “قشور الرمان” و”ماء الصباح”، ثم كتبت كتاباً بعنوان “كيف هزمت المستحيل بملعقة عسل”. فتتلقفك الشاشات كبطل قومي، بينما الحقيقة أبسط من ذلك بكثير وتظهر في لقاءات تناهز الوزراء. بينما الحقيقة أن جسدك تحسن لأنك توقفت عن تدميره، لا لأن “العشبة السحرية” تملك قوى خارقة.
وحتى “العلاج بالطاقة” لم يسلم من الكوميديا؛ فبدلاً من ممارسة الرياضة، يُطلب منك التنفس بعمق وتخيل “الطاقة الشافية” وهي تغسل الكوليسترول من شرايينك. فإذا فشل التخييل، فاللوم يقع عليك؛ لأن “طاقتك السلبية” كانت أقوى من تدفق الكون!
يا أحبتي، القضية ليست في نوع الطعام وحده.
انظروا إلى عامل البناء، مثلاً، الذي يأكل أبسط الأطعمة ويملك جسداً يهد الصخر؛ السر ليس في “الكيوا” أو “البذور النادرة”، بل في الحركة والجهد.
الحقيقة كما أراه تتوزع على ثلاث:
1. افهم جسدك: فما يناسب جارك قد يزعج أمعاءك، أنت الخبير الأول بنفسك.
2. تحرك أكثر:النشاط البدني هو الممحاة التي تزيل خطايا نمط حياتنا الحديث.
3. هدئ روعك: التوتر الذي يسببه البحث عن “الأكل المثالي” قد يكون أشد ضرراً من “ساندوتش” تأكله وأنت مستريح البال.
خففوا من ضجيج الهواتف، واستعيدوا توازنكم.. فالاعتدال ليس مجرد نصيحة قديمة، بل هو طوق النجاة الوحيد في صخب التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية.

بقلم علي الماجد

 

المهندس علي محمد الماجد

أديب وكاتب في الأدب الساخر

تعليق واحد

  1. أبدعت يا استاذنا في الطرح والسرد مقالة سهل بسيط يحمل معاني ساميه بقالب ساخر فعلا
    وتصديق لكلامك حديث الرسول صلوات ربي وسلامه عليه
    وعن أَبي كَريمَةَ المِقْدامِ بن مَعْدِيكَرِب  قالَ: سمِعتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: مَا ملأَ آدمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإِنْ كَانَ لا مَحالَةَ فَثلُثٌ لطَعَامِهِ، وثُلُثٌ لِشرابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ رواه الترمذي
    الحركة بركه يا استاذنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى