الحيز الذي املكه
الحيز الذي املكه
لا تزال النقاشات حول ماهية الحرية مستمرة، لكنها تتخذ أشكالًا مختلفة؛ تظن أنك تحررت، بينما أنت في الحقيقة تنتقل من قفص إلى آخر، ربما يكون أوسع، لكنه يظل قفصًا.
الأمثلة على ذلك كثيرة؛ فدولٌ ناضلت لنيل حريتها، وجدت نفسها لاحقًا تحت مظلة قوى أخرى. كوريا مثلًا كانت دولة واحدة، ثم انقسمت إلى شمالٍ وجنوب، إلى نفوذٍ متقابل بين قوى كبرى. ويتكرر المشهد بصيغ مختلفة.
والأمر لا يقتصر على الدول، بل يمتد إلى حياة الفرد. فالفتى الذي يسعى للتحرر من سلطة والده، قد يجد نفسه تحت سلطة مدير أو زعيم، ثم لا يلبث—إن صار زعيمًا—أن يمارس بدوره نوعًا من السيطرة، ويحتاج هو أيضًا إلى سندٍ أعلى يحتمي به. ومع ذلك، يبقى مرتبطًا بجذوره؛ بعائلته التي خرج منها إلى العالم، حاملاً أثرها في علمه، وعرقه، ودينه، وحتى لونه.
نفس الوضع يتكرر مع الانثى التي ترفض زوجها المتفاني فقط لأنه رفض أمر أو أمرين، تتطلق أو تخلع زوجها لتعيش تحت طغيان رجلاً آخر بهيئة مدير أو زبون أو صاحب مصلحة
“أما الديمقراطية، فهي القفص الأكثر دهاءً؛ إذ توهم السجين بأنه هو من اختار لون قضبانه، بل وتمنحه الحق في الصراخ داخل غرفته المغلقة. إنها تشبه منح الرعية حق اختيار السجّان من قائمة مرشحين يتنافسون على من سيُحكم رتّاج الباب بشكل أكثر ‘أناقة’. في الديمقراطية، الكل يملك حق الكلام، لكن لا أحد يملك آذان من بيدهم القرار؛ فالحرية هنا ليست في الفعل، بل في ‘الاعتقاد’ بأن صوتك قد يغير مسار السفينة، بينما المحركات الحقيقية تعمل في غرف مظلمة لا تصلها صناديق الاقتراب. وهكذا تستمر الدائرة.
حين بدأتُ الكتابة، اخترتُ الأدب البوليسي سعيًا للتميّز، ومحاولةً للانفكاك من تكرار الموضوعات المستهلكة في واقعنا العربي، كالمآسي اليومية. لكن حتى هذا الخيار كان شكلًا من أشكال البحث عن حريةٍ ضمن إطار، بلونٍ يتناسب مع الثقافة التي أنتمي إليها.
لذلك، ليس من الحكمة أن تغرّد خارج السرب بلا وعي، فتغدو هدفًا سهلًا لقنّاصٍ مبتدئ. اكتشفت أن القراء لا يريدون كتب بها حبكة درامية وتقديم فريد بالأفكار ونقل المشاهد الدقيقة وبلورة المشاعر ضمن انفعالات إنسانية. بل كتب سهلة سريعة الفهم والتحضير فالقرآء اللذين كانوا يتسلون بالكلمات المقاطعة لم يعودوا قراء اليوم، لذلك ابحث عن كتابة توصلك بالجمهور بسرعة.
فالانتماء نزعةٌ إنسانية طبيعية، لكن الإنسان قد يجد نفسه بين صراعين، كل طرف فيهما يدّعي امتلاك الحقيقة ويهدد الآخر. عندها يحتار: هل يختار الحياد ليرضي الجميع، أم يتجنّب بطش المنتصر وانتقام المهزوم؟
غير أن التاريخ يعلّمنا أن الحياد لا يضمن السلامة دائمًا. فقصة أهل ميلوس مع الإغريق مثالٌ على أن المحايد قد يُستباح. كما أن موقف الحسين بن علي، سيد شباب أهل الجنة، رضي الله عنهما، في وجه طغيان يزيد بن معاوية، ظلّ رمزًا خالدًا للحرية ورفض الظلم.
في لحظةٍ ما، لا بد من اتخاذ قرار… والأمل أن يكون قرارًا واعيًا وسليمًا. هذا هو الحيز الذي تملكه.
بقلم علي الماجد
