معركة الموائد والوجبات السريعة
معركة الموائد والوجبات السريعة
شاباً من العائلة، عاد من بلاد “العم سام” حاملاً شهادة الهندسة في عهد الملك عبد الله (رحمه الله)، فاستبشرنا فيه خيراً وقلنا “جاءنا باني المصانع”. وبالفعل، دخل مصنعاً محلياً، لكن المصنع لم يتحمل عبقريه ليعلن المصنع إفلاسه واعتزل ولدنا المهنة مبكراً.
وبدلاً من أن يجلس صاحبنا يندب حظه والشهادة المعلقة على الحائط، قرر تحويل طاقته من “الهندسة الكيميائية” إلى “كيمياء الصوصات”. افتتح مشروع “برقر”، وحين سُئل عن السر العظيم وراء هذا التحول الجذري، أجاب بصدق هندسي صادم: لأني لا أعرف للشاورما طريقاً! وهكذا، وبكل بساطة، دخل عالم الأثرياء من باب “الخبز المدور”.
البرقر هذا “الخليط العجيب” هو في الأصل ألماني من هامبورغ، مجرد لحم مفروم وتوابل. لكن الأمريكان، كعادتهم في وضع لمساتهم على كل شيء، “أمركوا” الشطيرة وسوقوها للعالم حتى كدنا ننسى أصلها الألماني. والحقيقة أنهم كادوا يسرقون “البيتزا” أيضاً، لولا أن الشعب الإيطالي مستعد لإعلان حرب عالمية ثالثة إذا لمس أحد كرامة “العجينة”.
أما “الهوت دوغ”، فقصته قصة! اختلف السويسريون والألمان على أصله واسمه. حتى جاء أمريكي يدعى “تيد دورغن”، وبسبب “عقدة لسان” وعدم قدرته على نطق اسمه الأصلي، سماه “الكلب الساخن”. طبعاً، من هذا المجنون الذي سيشتري شطيرة بهذا الاسم؟
هنا تدخلت “شيطنة التسويق”. تيد هذا اختار ملاعب البيسبول مكاناً للبيع (حتى يشجع الجمهور فريقهم المفضل دون أن تتسخ ملابسهم) وبدأ بسعر رخيص نسبياً ، ثم أطبق الفخ بفكرة جهنمية: استأجر شباباً يرتدون “بالطو الأطباء” ليأكلوا الهوت دوغ أمام الناس! وبمجرد أن رأى الجمهور “الدكاترة” يلتهمون النقانق، اقتنعوا أنها وجبة صحية تمنح الخلود، واكتمل مثلث النجاح المبني على “النصب التسويقي” الجميل.
خاتمة: نيا للي بيعرف يبيع!
المعارك على أصل الطعام لا تنتهي؛ فالصينيون يقسمون أن “ماركو بولو” سرق النودلز وحولها لـ “سباغيتي”، والمانيا وإيطاليا قضوا 15 سنة في المحاكم بسبب “جبنة البارميزان” حتى انتصرت إيطاليا واحتفلت بتوزيع الجبن عبر فاتنات يوزعن الابتسامات.
أما نحن العرب، فخارج المنافسة تماماً. لسنا مشغولين بإثبات أن “الكبسة” لنا أو لغيرنا، فنحن نأكل بصمت ونترك التسويق لأهله. وبينما يتقاتل العالم على “براءة اختراع” قطعة جبن، نكتفي نحن بمراقبة قريبنا المهندس وهو يقلب اللحم على الصاج، مدركين أن “الهندسة” الحقيقية ليست في بناء المصانع التي تفلس، بل في بناء “براند” يجعلك تبتسم بملء فيك وأنت تمضغ.. وكما يقال باللهجة السورية: “نيا لك” عرفت من أين تؤكل الكتف (أختيار المطبخ السوري متعمد لأنه الأكثر تنويعاً عربيا)!
على الماجد

