الحل الإستراتيجي لليمن
الحل الإستراتيجي لليمن
جابر عبدالله الجريدي
عندما يتم الخوض والحديث عن قضية اليمن الأكثر غموضاً، والتي تحمل أسراراً عميقة حملتها معها رياح الزمن القديم، فأنت تتحدث عن شبكة متخبطة من التدخلات وكثير من المسارات المنحرفة والمنعطفات الخطيرة التي تشكلت عبرها قاطرة الوحدة اليمنية أو الجمهورية العربية اليمنية، لأن الأمر قبل الوحدة اليمنية كان عبارة عن تراكمات وترسبات تاريخية ومنحدرات ليست جيدة أقامت على إثرها الوحدة اليمنية، لأن اليمن قبل الوحدة شطرين وقبل كل ذلك كانت عدة أشطار، شكلت القوة والعنف وحب الهيمنة والإستحواذ هذه الوحدة الإندماجية الإزدواجية، كمن يضع مرهم الدواء فوق الجرح الحديث بدون أن يقوم بتنظيفة فلا جدوى من كل ماسبق إلا أن يشاء ربي شيئا، والوصية الجادة لمن يحرك الملفات العجيبة داخل المشهد اليمني بأن اليمن لا تشبه أي ملفات سابقة فهي الأكثر صعوبة من كافة قضايا الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر إحتلالاً من قبل الجهات الأجنبية وتحت المجهر الغربي والأمم الأخرى منذُ فجر التاريخ، وكل إحتلال سابق لأي جزء في اليمن قد ترك بصمته وتأثيره داخلها، ومازالت بعض تلك القوى الأجنبية تحاول اليوم العودة مجدداً لتجدد إستعماراتها السابقة تحت قضايا الحقوق العادلة بالطرق الخادعة وليست الحقيقية، إننا نتكلم عن مشهد تراكمي من قدم وجود أول الحضارات في العالم فإن النزاع ليس حديث الألف عام أو ماقبل الميلاد، بل هذا التنافس الحالي ماهو إلا إمتداد لتنافس تاريخي كبير بين الأقطاب الكبرى داخل المشهد اليمني الحالي، ولمن يحمل سياسات الملف اليمني من الممكن أن تلخصها في :
اليمن تاريخياً وجغرافياً..
أسرار القضية الجنوبية..
حق الهوية الحضرمية..
من بين هذه القضايا علينا أن نأخذ قلماً ومسطرة لنرسم خريطة اليمن الحالية ونضع عليها حدود تلك القضايا التاريخية، تعدد المسميات وإختلاف القضايا، مع العلم أننا نرى بالخارج بلد واحد فقط، والحقيقة أن في اليمن عدة دول تاريخياً تعيش صراعاً محتدماً لكل واحدة حدود تاريخية إذا دخلها أصحاب القضايا الأخرى يعتبرون معتدين، لذلك نقول أن هناك إعتداءين سابقين شكلا شكل الدولة المتناحرة اليوم، ولابد من حل تلك النزاعات كلاً على حدة بالعدل والقسط وأن لا نُشطِط في ظلم أياً مما سبق ذكره وللحق طريقاً محفوظاً.
نزاع ١٩٦٧م مابين الجبهة القومية العربية(القوميون) الذين إعتدوا على حضرموت وتشكل مابعد ذلك النزاع دولة جديدة سميت بـ(الجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية) نتاج نزاع مابين الهوية الحضرمية المستقلة والإعتداء من قبل الجبهة القومية والتي كان يدعمها الإتحاد السوفيتي للسيطرة على المحميات البريطانية السابقة حيث كانت حضرموت تتمتع بنظام مستقل يخصها عن سلطنات ومشيخات الجنوب العربي، فقام الإتحاد السوفيتي بالترويج لفكرة القومية العربية لمناهضة بريطانيا والإستيلاء على المستعمرات التي كانت تحت نفوذها فدعمت الجبهة القومية للقضاء على بريطانيا وطردها للإستحواذ والتوسع فسقطت عدن والمناطق المجاورة لها من بين الإستعمار البريطاني إلى يد الإتحاد السوفيتي الذي كان يقف خلف الكواليس، وبقت حضرموت وحكامها محافظين على سلطناتهم إلا إنَّ مسار الجبهة القومية كان أقوى لان الإتحاد السوفيتي يعد الإمبراطورية الأقوى في ذلك الحين، فسقطت حضرموت بيد القوميين وضمت بالإعتداء وهذا يوضح لنا النقطة الأولى من منعطفات اليمن التاريخية الحديثة.
نزاع ١٩٩٤م بعد أن وقعت الجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية وقوع الوحدة مع الجمهورية العربية اليمنية في ١٩٩٠م بعد أن إصطدمت اليمنية الديمقراطية بعدة أزمات كان على رأسها ضعف الإتحاد السوفيتي وتشتته والديون الكبيرة على سلطته مما أجبرها على تسريع عملية الوحدة الإندماجية وخاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية دخلت الخط وتدعم الطرف الجمهوري الآخر للقضاء على ما تبقى من أطلال في اليمن ينتمي للإتحاد السوفيتي وتحقق ذلك الأمر، فاستحوذ أطراف الجمهورية اليمنية على مجاميع الدولة وأنقلبوا على ماتعاهدوا عليه مع أطراف الجمهورية الديمقراطية مما نتج بعد ذلك حرب أربعة وتسعين كما تُشاع تسميتها وهنا الإندماج القهري الثاني بعد أحداث حضرموت والجبهة القومية.
إتضح ذلك المشهد حالياً في اليمن حيثُ برزت قضيتين بعد التدهور الواضح في عمل الحكومة اليمنية حيث ظهرت قضيتين حيوية (حقوق حضرموت، القضية الجنوبية) ولحل هذه الأزمة لابد أن نعود تاريخياً تدرجاً، وإبعاد الجانب الشمالي كما هو المسمى الدارج حالياً للجمهوريين المستحوذين، ويبقى الحوار مابين الهوية الحضرمية والقضية الجنوبية وقد أطلق طلب الحوار من قبل رئيس الجمهورية اليمنية رشاد العليمي تحت ما يسمى الحوار الجنوبي_الجنوبي والذي أرى فيه متأكداً أن أنصار الهوية الحضرمية لن يقبلوا إلا بمسمى الحوار الحضرمي_الجنوبي إنصافاً لقضيتهم وستدور عجلة الحوار لو حصل حول طرف يرى أنه لا ينتمي إلى الآخر والطرف الآخر يحاول أن يثبت أنه فعلاً ينتمي إليه وسيخرج الحوار بكسر الطاولة.
الحل أن يقام هذا الحوار فعلاً ويتم تصحيح التسمية من الحوار الجنوبي_الجنوبي إلى الحوار الحضرمي_الجنوبي، وأن يتم تقسيم وضع اليمن حالياً إلى ماقبل النزاع الأول المذكور آنفاً، وأن يتم تسوية الأمور بين أنصار الهوية الحضرمية والقضية الجنوبية في الحوار على شكل شراكة إستراتيجية تحفظ مصالح الطرفين وتشترك فيما ينفعهماً معاً كمصالح مشتركة والخروج من الحوار بشكل إتحاد مؤقت للتوجه نحو العدو الأول المشترك المدعومة من إيران وهي المليشيات الحوثية.
مابعد المليشيات الحوثية ومرحلة التسويات السياسية كما يسمى عند السياسين، لابد أن ندخل الحوار العام بين جميع الأقطاب على شكلين أحدهما البقاء في دولة واحدة أو التقسيم إلى عدة دول وتكون الخيارات كالتالي:
دولة إتحادية من ثلاث أقاليم اليمن، الجنوب العربي، حضرموت أو يتم تقسيم تلك الأقاليم إلى ثلاث دول مستقلة والأفضل نراه الأول وأن تأخذ العدالة مجراها.
نرى كفكرة أن الحل دولة إتحادية واحدة تحمل مسمى وسطاً مابين الإسميين اللذان شكلتهما العوامل الجغرافية والإتجاهات(اليمن، الجنوب) إلى مسمى أوضح يحمل دلالات تاريخية وهوية حقيقية وأن تكون التسمية للدولة الإتحادية القادمة حضرموت العربية المتحدة، وأحب أن أنبه أن مايهم هو حياة الإنسان وإستقرارها فالمواطنون أثكلتهم النزاعات ويبحثون عن الأمان، ونتمنى من الشخصيات المؤثرة في الشأن اليمني أن تلجأ لحوار العقل والمصلحة والمستقبل الأفضل، فالأمة تكاد تنتهي من حدة وشدة الصراعات وكثرة الإختلافات.
كاتب رأي – اليمن
