نادي القصة

بنت الساحر ٩

حلقة أجنحة الدخان

نحن نعيش في عالم من الأجنحة، كلما زاد إيمانك تغيّر نوع جناحيك. من الإيمان تبزغ الرؤية، وتقوى الإرادة، وتشتدّ العزيمة. هذا هو المسار الذي فُرض علينا؛ ومع كل تحدٍّ، تتبدّل الأجنحة ونرتفع أكثر.غسان، شاب في منتصف العمر، جاحظ العينين، غليظ الشفتين، تفوح منه رائحة كريهة. كنت أحرص دائماً على إبقاء مسافة بيننا حتى لا أكاد أتقيأ كلما دخل عيادتي. ارتديت كمامتي، فقال مبتسماً:
– لِمَ الكمامة يا طبيبة؟ هل أنتِ مريضة؟
– زكام عارض. أكمل حديثك عن الأجنحة.
قال بثقة: الأجنحة هي المراتب التي ننالها بالصبر والصلابة. كلنا نملك أجنحة، لكننا لا نستخدمها. أنا أرى أجنحة كل شخص.
صمت قليلاً ثم رمقني بنظرة ثابتة: حتى أنتِ.
– أنا؟ هل أنت متأكد؟
– نعم، لديك أجنحة البجعة. يمكنك الطيران إن أردتِ، لكنك تفتقدين الإيمان.
– وماذا عنك أنت؟ ما نوع أجنحتك؟
– دخانية، تتبخّر مع الوقت.تذكّرت حينها ما كُتب في ملفه: محاولة انتحار بالقفز من مكان مرتفع. إذن لم تكن محاولة انتحار… غسان كان مؤمنًا بأنه يستطيع الطيران.
قلت بهدوء: لكنك سقطت، لم تحلق؟
ابتسم بمرارة: مثل عباس بن فرناس، عالم جليل، لكن أجنحته لم تحمله. المراتب تبدأ بالدخان، ثم أجنحة اليمام، فالنورس، فالبجعة، ثم مالك الحزين، فالنسر، حتى نبلغ أجنحة العنقاء ، فالتنين، وأخيراً الحديد المصهور.سألته: وماذا عن أمك؟
سكت لحظة، ثم بصوت منخفض قال: كانت تملك أجنحة يمام… لكنهم كسروها.
– كسرها والدك؟
اتسعت عيناه وغاب قليلاً عن الوعي، فقلت بهدوء: عد يا غسان، أعلم أنك ما زلت هنا. والدك ضرب أمك حتى لم تعد تقوى على الوقوف، ولهذا رسمت عالم الأجنحة لتكفّر عن ذنبك، لأنك لم تدافع عنها. لكنك كنت طفلاً، والطفل جناحه أبواه. عشتَ بجناح واحد مكسور.انفجر باكياً: أنا ضعيف… ضعيف.
– لست كذلك، يا غسان. كنت طفلاً، والطفل يحتاج إلى من يحميه. والدك ظالم، وأمك كانت مكسورة. لكن جناحيك لا يزالان قويين، صدّق بهما واقلع وشائج الماضي، فإنها أثقال تشدك إلى الأرض.تنهّد طويلًا، ثم وقف وقال: سأحاول… أعدك.

بقلم علي الماجد

 

 

الأديب المهندس علي محمد الماجد

أديب وكاتب في الأدب الساخر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.