كُتاب الرأي

رحلة بلا وجهة

رحلة بلا وجهة

ابتسام عبدالعزيز الجبرين

نحن لا نضيع دائما لأننا أخطأنا الطريق ، أحيانا نضيع لأننا نمضي طويلا دون أن نسأل أنفسنا : إلى أين؟

منذ أن نفتح أعيننا على الحياة، يبدأ الجميع في رسم الطرق أمامنا. ادرس، تخرج، اعمل، اجمع المال، كون أسرة، اشتر منزلا، حقق النجاح… وهكذا تتوالى المحطات، حتى يصبح السير عادة، ويصبح التوقف للتفكير ترفا لا نملكه.

نمضي لأن علينا أن نمضي.

لكن ماذا لو وصلنا ذات يوم إلى نهاية الطريق ، ثم اكتشفنا أن الوجهة لم تكن وجهتنا أصلا ؟

تلك هي الرحلة بلا وجهة ؛ أن تتحرك كثيرا دون أن تتقدم حقا ، وأن تنشغل بالوصول دون أن تعرف إلى أين تريد الوصول.

قد يبدو الإنسان ناجحا في أعين الآخرين، بينما يعيش في داخله شعور غامض بأنه يسير في الاتجاه الخطأ. يحقق ما توقعه منه الجميع ، لكنه لا يحقق ما يتمناه هو. يملك الأشياء، لكنه لا يشعر بالامتلاك. يملأ أيامه بالعمل والانشغال، لكنه يعجز عن الإجابة عن سؤال بسيط: ماذا أريد حقا ؟

المشكلة ليست في أن نبدأ الطريق دون أن نعرف كل تفاصيله ؛ فهذا مستحيل .
الحياة لا تمنحنا خريطة كاملة ، ولا تخبرنا مسبقا أين ستكون المنعطفات أو من سنلتقي بهم أو ما الذي سنخسره في منتصف الطريق.

المشكلة الحقيقية أن نستمر في السير بعد أن نكتشف أن الطريق لم يعد هو طريق وجهتنا .

فالإنسان يتغير .
ما كان حلما في العشرين قد يصبح عبئا في الثلاثين ، وما كان مهما بالأمس قد يفقد قيمته غدا. لذلك، ليست الحكمة أن نتمسك دائما بالوجهة الأولى ، بل أن نمتلك الشجاعة لمراجعة اتجاهنا كلما تغيرت رؤيتنا للحياة.

قد نحتاج أحيانا إلى التوقف.

ليس لأننا فشلنا ، بل لأن الوقوف لحظة قد يكون أكثر شجاعة من الاستمرار سنوات في الاتجاه الخطأ.

التوقف يمنحنا فرصة لنسمع أصواتنا وسط الضجيج ، وأن نسأل أنفسنا : هل هذه الحياة التي أعيشها اختياري ، أم أنها مجرد نسخة صنعتها توقعات الآخرين ؟ هل أعمل لأنني أحب ما أفعل ، أم لأنني أخشى أن أبدو فاشلًا ؟ هل أركض خلف حلمي ، أم أركض فقط لأن الجميع يركض ؟

هذه الأسئلة قد تكون مؤلمة، لكنها ضرورية.

فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى طريق جديد ، بقدر ما يحتاج إلى سبب جديد للسير .

ولعل أجمل ما في الرحلات أنها لا تمنحنا دائمًا ما نبحث عنه، لكنها تمنحنا شيئا آخر : معرفة أنفسنا.

قد نبدأ الطريق بحثا عن النجاح، فنكتشف أننا نبحث عن الطمأنينة. وقد نركض خلف المال، فنكتشف أن ما ينقصنا هو الوقت. وقد نحاول إرضاء الجميع ، فنكتشف متأخرين أننا نسينا الشخص الوحيد الذي كان ينبغي أن نرضيه: أنفسنا.

لهذا، ليست كل رحلة بلا وجهة رحلة فاشلة.

أحيانا يكون الضياع نفسه مرحلة من مراحل الوصول.

فالطفل الذي لا يعرف ماذا يريد حين يكبر ليس فاشلا ، والشاب الذي يغير تخصصه بعد سنوات من الدراسة ليس بالضرورة قد أهدر عمره ، والشخص الذي يبدأ من جديد بعد تجربة قاسية لا يعود إلى نقطة الصفر ؛ بل يعود وهو يحمل معرفة لم تكن لديه في البداية.

كل خطوة، حتى الخاطئة منها، تترك أثرا.

لكن علينا أن ننتبه إلى الفرق بين الضياع المؤقت والعيش بلا اتجاه.

الأول طبيعي، بل ضروري أحيانا. أما الثاني فقد يتحول إلى أسلوب حياة ؛ أن تستيقظ كل يوم ، تؤدي ما عليك ، تكرر الأمس ، ثم تنام ، دون أن تسأل إن كنت تقترب من الحياة التي تريدها أم تبتعد عنها.

ومع مرور السنوات ، قد يصبح السؤال أكثر قسوة :

هل عشت فعلا ، أم اكتفيت بأن أكون مشغولا ؟

الحياة ليست سباقا، ولا قيمة الإنسان تقاس بعدد المحطات التي اجتازها قبل الآخرين . هناك من يصل مبكرا إلى مكان لا يريده ، وهناك من يتأخر لكنه يصل إلى المكان الذي يريد .

لذلك ، لا تخف من أن تكون رحلتك مختلفة.

لا تخف من تغيير الوجهة.
ولا تخجل من الاعتراف بأنك لم تعد تريد الشيء الذي كنت تريده بالأمس.

فالنضج ليس أن تعرف الطريق منذ البداية ، بل أن تتعلم كيف تختار طريقك كلما اتضحت لك نفسك أكثر.

وفي النهاية ، ربما لا تكون أهم الأسئلة التي نطرحها على أنفسنا: متى سأصل ؟ وكم حققت ؟ وماذا يملك الآخرون ؟

ربما السؤال الأهم هو:

هل الطريق الذي أسير فيه يستحق العمر الذي أدفعه ثمنا له؟

فالعمر ليس مجرد أيام تمر ، بل شيء ننفقه مرة واحدة ، ولا نستطيع استعادته مهما امتلكنا من مال أو نجاح.

ولهذا ، إذا وجدت نفسك يوما في رحلة بلا وجهة ، فلا تعتبر ذلك نهاية الحكاية.

توقف.

انظر حولك.

خذ نفسا عميقا.

ثم اسأل قلبك وعقلك معا : إلى أين أريد أن أذهب ؟

فقد لا يكون أصعب ما في الحياة أن نضيع الطريق…

بل أن نصل إلى وجهة لم نخترها .

نائب رئيس التحرير

 

 

ابتسام عبدالعزيز الجبرين

نائبة رئيس التحرير( كاتبة رأي ومؤلفة )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.