كُتاب الرأي

عزيزتي ( صحيفة آخر أخبار الأرض )

عزيزتي ( صحيفة آخر أخبار الأرض )
………….

هناك شهادات يفسدها القرب ، وشهادات ينصفها.

وحين أكتب اليوم عن صحيفة ( آخر أخبار الأرض )، فإنني أدرك تماما أن شهادتي قد تبدو مجروحة ، فأنا لست قارئة عابرة لصفحاتها ، ولا ضيفة مرت على أبوابها ، بل أشغل منصب نائبة رئيس التحرير فيها. ولذلك ، قد يكون من الإنصاف أن أضع هذه الحقيقة على الطاولة منذ البداية ، حتى لا يقال إنني كتبت عن الصحيفة بعين المحبة وحدها.

لكن ، في المقابل ، ربما يكون القرب أحيانا هو أكثر ما يجعل الإنسان قادرا على رؤية التفاصيل التي لا يراها الآخرون .

وأنا هنا لا أريد أن أقول إن ( آخر أخبار الأرض ) صحيفة بلا عيوب ، فالكمال ليس من صفات البشر ، ولا من صفات ما يصنعه البشر . لكنني أستطيع أن أقول بثقة إنني وجدت فيها شيئا نادرا يستحق الإشادة ، وخصوصا في زمن أصبحت فيه الشهرة في كثير من الأحيان جواز مرور إلى الضوء ، وأصبح الضوء نفسه يذهب لمن يقف أصلًا تحته.

ما يلفتني في ( آخر أخبار الأرض ) أنها لا تكتفي بالبحث عمن يعرفهم الناس ، بل تبحث أيضا عمن يستحق أن يعرفه الناس.

وهنا تحديدا تكمن إحدى أجمل رسائل الصحيفة وتميزها.

فهي تمنح مساحة للموهوبين المغمورين ، لأولئك الذين يعملون بعيدا عن الأضواء ، ويحققون إنجازات قد لا يعرف بها أحد ، ثم تفتح لهم صفحاتها لإجراء اللقاءات الحوارية معهم ، دعما لهم والتعريف بتجاربهم ، وإبراز إنجازاتهم المغمورة ، ومنحهم شيئا من الضوء الذي يستحقونه.

فهؤلاء ، في رأيي ، هم الأحق بأن نمنحهم فرصة الظهور .

فالمشهور لا يحتاج غالبا إلى من يعرّف الناس به ، الناس تعرفه ، وتلاحق أخباره ، وتتناقل صوره وأعماله .
أما ذلك الموهوب المغمور الذي يقف خلف إنجازه بصمت ، والذي ربما لا يملك اسما لامعا أو حضورا إعلاميا واسعا ، فهو الأحوج إلى من يقول له : نحن نراك ، وإن لم يرك الآخرون بعد .

وهذه ليست مجاملة لموهوب ، بقدر ما هي رسالة إعلامية وإنسانية في الوقت نفسه .

أن تفتح صحيفة صفحاتها أمام شخص مجهول نسبيا ، لا لأنه مشهور ، وإنما لأنه مستحق ، فذلك في حد ذاته موقف يحسب لها.

والأجمل أن ( آخر أخبار الأرض ) لا تفعل ذلك على حساب الأسماء الكبيرة، فهي تضم بين كتابها وكاتباتها نخبة من أصحاب الأقلام المعروفة والمشهورة على مستوى العالم العربي ، ممن لهم حضورهم وتجاربهم وأسماؤهم التي لا تحتاج إلى تعريف. وهذا التنوع يمنح الصحيفة توازناً جميلا ، فهي لا تغلق أبوابها أمام المشاهير ، لكنها في الوقت ذاته لا تجعل الشهرة شرطا للدخول إليها.

إنها ببساطة تحاول أن تقول:
ليس كل من يستحق الضوء مشهورا ، وليس كل مشهور هو الأحق به.

ومن الجوانب التي أرى أنها أضافت للصحيفة قيمة أخرى ، تميزها في إجراء اللقاءات الحوارية مع كبار المسؤولين وأصحاب المكانة المؤثرة ، من أعضاء مجلس الشورى، ووكلاء المناطق، إلى جانب عدد من الشخصيات البارزة والفاعلة في المجتمع.

وهذا النوع من الحوارات لا يمثل مجرد مادة صحفية عابرة، بل يفتح نافذة للحوار بين المسؤول والمجتمع ، ويتيح للقارئ أن يقترب من تجارب الشخصيات المؤثرة ، وأن يتعرف إلى رؤاهم وأفكارهم ومواقفهم من خلال حوار مباشر .

وهكذا وجدت ( آخر أخبار الأرض ) نفسها تسير في مسارين متوازيين ، قد يبدوان للوهلة الأولى مختلفين :
مسار يقترب من أصحاب القرار والشخصيات البارزة ، ومسار آخر ينحني ليرى الموهبة التي ما زالت في بدايتها.

لكن الحقيقة أن المسارين يلتقيان عند قيمة واحدة: الإنسان الذي لديه ما يستحق أن يُسمع ويُقرأ ويُعرف.

ولهذا ، ربما تكون أجمل صفة يمكن أن نصف بها هذه الصحيفة أنها لا تتعامل مع الشهرة بوصفها معياراً وحيداً للأهمية.

فهي تمنح المعروف مساحة ، وتمنح غير المعروف فرصة.

والفرق بين المساحة والفرصة كبير .

المساحة تليق بمن وصل ، أما الفرصة فهي الهدية التي يمكن أن تساعد شخصا ما على الوصول .

وربما لهذا السبب تحديدا أشعر أن الحديث عن ( آخر أخبار الأرض ) من داخلها ليس سهلا . فأنا ، كما قلت ، نائبة رئيس التحرير ، وشهادتي بحكم موقعي مجروحة.

لكنني أظن أن هناك نوعاً من الشهادة لا تفسده المحبة ، بل تؤكده التجربة.

وإذا كان انتمائي إلى هذه الصحيفة يجعل شهادتي مجروحة، فإن إنصاف من تمنحهم الصحيفة الضوء، والاحتفاء بمنجزاتهم ، واستضافة أصحاب المسؤولية والخبرة ، ووجود أسماء عربية كبيرة بين كتابها وكاتباتها، كلها أمور يمكن للقارئ أن يحكم عليها بنفسه.

أما أنا ، فسأكتفي بأن أقول إنني سعيدة بأن أكون جزءا من صحيفة تؤمن بأن خلف كل اسم مجهول حكاية قد تستحق أن تروى ، وخلف كل موهبة بعيدة عن الضوء إنجازا قد يستحق أن يُرى.

فشكرا لك يا ( آخر أخبار الأرض ) …

لأنكِ لم تسألي دائما :
( من يعرفه الناس ؟ )
بل سألت السؤال الأهم :
( ومن يستحق أن يعرفه الناس ؟ )

وربما كان هذا ، في زمنٍ تتزاحم فيه الأضواء حول المشاهير ، أحد أجمل الأدوار التي يمكن أن تؤديها صحيفة.
………………

ابتسام عبدالعزيز الجبرين
نائب رئيس التحرير

 

ابتسام عبدالعزيز الجبرين

نائبة رئيس التحرير( كاتبة رأي ومؤلفة )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.