*هكذا العصا والجزرة .*

*هكذا العصا والجزرة .*
*رؤية تحليلية*
*أعادت التطورات الأخيرة المرتبطة بـ【مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية】 طرح سؤال إستراتيجي يتجاوز حدود الأزمة الراهنة:*
*متى تنجح الحوافز السياسية، ومتى يصبح الضغط على مفاتيح القوة هو العامل الحاسم في تغيير الحسابات؟*
*فعلى امتداد أكثر من (100) يوم من المواجهة، كشفت الأزمة الراهنة واحدة من أكثر المفارقات السياسية إثارة للتساؤل.*
*فبينما كانت القيادة الإيرانية تخوض مفاوضات غير مباشرة مع خصومها بحثا عن مخرج للأزمة، استمرت في الوقت ذاته في توسيع نطاق التوتر الإقليمي وتوجيه تداعيات الصراع نحو الخليج العربي وممراته البحرية ومصالحه الحيوية.*
*ولم تكن المشكلة في وجود خلاف بين إيران وخصومها، فذلك أمر تعرفه العلاقات الدولية منذ عقود، بل في إصرار 【السياسات الإيرانية الهجومية】 على ربط أمن المنطقة بأزماتها الخاصة، وكأن إستقرار الجوار يمكن أن يتحول إلى ورقة تفاوض إضافية على الطاولة.*
*لقد دفعت دول الخليج العربي خلال السنوات الماضية أثمانا باهظة نتيجة هذه المقاربة؛ من تهديد الملاحة الدولية، إلى إستهداف المنشآت الحيوية، إلى محاولات زعزعة الاستقرار عبر الأذرع والتنظيمات الإرهابية المرتبطة بالمشروع الإيراني في عدد من الساحات الإقليمية.*
فالدول عادة تفاوض لإنهاء الأزمات، أما أن يجري التفاوض بالتوازي مع توسيع دائرة التوتر وتهديد أمن الجوار، فذلك سلوك لم يؤد طوال العقود الماضية إلا إلى مزيد من الشكوك والاستنزاف وتعطيل فرص التنمية والاستقرار.
ولهذا لم تعد المشكلة في نقص المبادرات السياسية أو غياب فرص الحوار، بل في إستمرار الرهان على أن الأزمات يمكن أن تحقق ما عجزت عن تحقيقه التنمية، وأن التصعيد يمكن أن يمنح نفوذا أكثر مما تمنحه الشراكات والاستقرار.
*فالجزرة لم تكن غائبة عن المشهد يوما.*
لقد قدم المجتمع الدولي لطهران خلال عقود طويلة طيفا واسعا من المبادرات والوساطات والحوافز والاتفاقات المؤقتة وفرص إعادة الاندماج السياسي والاقتصادي. ومع ذلك بقيت الأزمات تتكرر، وبقيت المنطقة تواجه تداعيات السياسات نفسها وإن اختلفت الأدوات والعناوين.
ومن هنا برز الاستنتاج الذي بدأ يفرض نفسه على كثير من دوائر القرار والمراقبين الدوليين خلال الأزمة الراهنة.
*فالمؤشرات الأكثر دلالة على تغير الحسابات الإيرانية لم تظهر مع اتساع مسارات الحوار، بل مع انتقال الضغوط نحو ( مفاتيح القوة )ومراكز الثقل التي يعتمد عليها النظام في تمويل نفوذه واستمرار مشروعه الإقليمي.*
*فالتطورات الأخيرة كشفت أن الصراعات الحديثة لم تعد تتركز دائما حول السيطرة على الأرض بقدر ما تتركز حول السيطرة على 【مفاتيح القوة】الكامنة فيها. فجزيرة خرج لم تكتسب أهميتها من مساحتها الجغرافية المحدودة، بل من موقعها داخل معادلة الطاقة والتمويل والقدرة على الاستمرار.*
ولعل ما منح التصريحات الأمريكية الأخيرة أهميتها أنها لم تستهدف الجغرافيا الإيرانية بقدر ما استهدفت 【الوظيفة الاستراتيجية】 التي تمنح تلك الجغرافيا قيمتها.
*فالقضية لم تكن جزيرة صغيرة في الخليج العربي، بل أحد أهم 【مفاتيح القوة الاقتصادية】 التي يعتمد عليها النظام الإيراني في تمويل قدراته واستمرار نفوذه. وعندما يقترب التهديد من 【مراكز الثقل】 تختلف الحسابات عن تلك التي تصاحب الضغوط التقليدية أو العقوبات العامة.*
*ولهذا لم يعد السؤال الأهم في بعض الصراعات: من يسيطر على الأرض؟ بل من يقترب من الموارد التي تمنح تلك الأرض قيمتها، وتوفر القدرة على مواصلة الصراع والاستمرار فيه.*
لقد كشفت الأزمة الراهنة أن الطريق إلى التفاوض لم يمر عبر الجزرة وحدها، بل عبر اقتراب العصا من 【مفاتيح القوة】 التي تمنح القدرة على مواصلة الصراع. وعند هذه النقطة تحديدا بدأت الحسابات السياسية تختلف عن حسابات المراحل السابقة.
فالجزرة أبقت باب الحوار مفتوحا، لكن اقتراب العصا من مفاتيح القوة هو الذي دفع الحسابات إلى التحرك.
وهكذا لا يصبح التفاوض نتيجة للحوافز وحدها، بل نتيجة لإدراك أن 【كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من كلفة التراجع】، وأن حماية مراكز الثقل الحيوية قد تصبح أحيانا أكثر إلحاحا من مواصلة المواجهة نفسها.
*وتبقى المفارقة الأبرز؛ فبينما استمرت السياسات الإيرانية الهجومية في توسيع دائرة التوتر وإقحام الخليج العربي في أزمات لا تخصه، جاءت مؤشرات التحول السياسي عندما انتقلت الضغوط إلى مفاتيح القوة التي يقوم عليها المشروع نفسه.*
【*أثبتت الأزمة الراهنة أن مفاتيح القوة لا تغير موازين الصراع فحسب، بل قد تغير مسار التفاوض نفسه؛ فبعض الأزمات تطيلها الشعارات، لكن الحسابات المرتبطة بدعس مراكز الثقل هي التي تحدد في النهاية متى يبدأ الطريق إلى التسوية.*】
كتبه :
اللواء البحري الركن م.
عبدالله بن سعيد الغامدي
*الجمعة 12 يونيو 2026م.*


