*مفاتيح القوة .*

*مفاتيح القوة .*
*رؤية تحليلية .*
*أعادت التصريحات التي نشرها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يوم (11) يونيو 2026 بشأن جزيرة خرج الإيرانية طرح سؤال إستراتيجي يتجاوز حدود الأزمة الراهنة:*
*هل دخل العالم مرحلة لم تعد الحروب فيها تبحث عن إحتلال الدول، بل عن التحكم في مفاتيح القوة التي تمنحها القدرة على الإستمرار؟ .*
أرتبطت الحروب عبر التاريخ بالسيطرة على الأرض وإسقاط العواصم وتدمير الجيوش. وكانت الجغرافيا تمثل الهدف النهائي لمعظم الحملات العسكرية. لكن التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي وشبكات الطاقة والتجارة الدولية دفعت مراكز الثقل الإستراتيجية إلى أماكن مختلفة، حيث أصبحت بعض الموانئ ومنشآت الطاقة والممرات البحرية تمتلك تأثيرا يتجاوز أحيانا تأثير مدن بأكملها.
وتبرز جزيرة خرج في هذا السياق بوصفها أكثر من مجرد جزيرة نفطية. فهي تمثل أحد أهم مراكز الثقل الاستراتيجية المرتبطة بصادرات الطاقة الإيرانية إلى الأسواق العالمية، ما يجعلها جزءا من معادلة الإيرادات والقدرة المالية والاستقرار الاقتصادي للدولة الإيرانية. ولذلك لم ينظر كثير من المراقبين في الولايات المتحدة إلى خرج بوصفها جزيرة معزولة، بل بوصفها مفتاحا استراتيجيا قد يؤثر التحكم به في مسار الصراع بأكمله.
ولم يكن توقيت هذه التصريحات عابرا. فبعد أكثر من (100 يوم) من المواجهة والضغوط والعقوبات والعمليات العسكرية المتبادلة، يبدو أن النقاش داخل بعض الدوائر الأمريكية لم يعد يتركز فقط على كيفية إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، بل على كيفية التأثير في الموارد التي تغذي تلك القدرات وتمنحها القدرة على الاستمرار. وهنا تنتقل المنافسة من استهداف الوسيلة إلى استهداف المورد الذي يغذيها.
وهنا تكمن الدلالة الأهم للتصريحات الأمريكية الأخيرة. فالقضية لا تتعلق فقط بتهديد عسكري أو عملية محتملة، بل بما تعكسه من تحول في التفكير الاستراتيجي المعاصر. إذ لم يعد الهدف دائما تدمير الأصل الاستراتيجي، بل التأثير في الوظيفة التي يؤديها والعائد الذي ينتجه.
الحرب الأمريكية – الإيرانية الراهنة قدمت خلال أكثر من (100 يوم) درسا مهما في هذا المجال. فقد أظهرت أن القدرة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق الأهداف السياسية، وأن مراكز الثقل الحقيقية قد تكون أحيانا في قطاع الطاقة أو الموانئ أو شبكات التمويل أو حركة التجارة الدولية أكثر من وجودها في ساحات القتال التقليدية.
ولهذا لم يعد السؤال الأهم في بعض الصراعات: من يسيطر على الأرض؟ بل: من يسيطر على مصادر القوة التي تنتج النفوذ وتوفر القدرة على مواصلة الصراع؟
وتشير الخبرات الاستراتيجية الحديثة إلى أن الضغط على هذه المفاتيح الحيوية قد يحقق تأثيرات تتجاوز أحيانا نتائج العمليات العسكرية المباشرة. فالمساس بمراكز الثقل الاقتصادية ينعكس بصورة مباشرة على القرار السياسي والقدرة على التحمل والاستمرار.
ولا يعني ذلك أن الجغرافيا فقدت أهميتها، بل إن قيمتها أصبحت ترتبط أكثر بوظيفتها الاستراتيجية. فالمضيق البحري لم يعد مجرد ممر ملاحي، والميناء لم يعد مجرد رصيف للسفن، ومنشأة الطاقة لم تعد مجرد هدف صناعي؛ بل أصبحت جميعها أدوات تأثير في موازين القوة الدولية.
*ويبدو أن أحد أهم الدروس التي تفرضها التطورات الراهنة يتمثل في أن حروب القرن الحادي والعشرين لا تدار دائما حول الأرض نفسها، بل حول ما تمنحه تلك الأرض من نفوذ، وما تحتويه من موارد، وما يمر عبرها من تجارة وطاقة.*
*ولهذا قد لا تكون القيمة الأهم في تصريحات ترمب مرتبطة بإمكانية تنفيذها من عدمه، بل بما كشفته من تحول أوسع في طبيعة الصراع الدولي. فبعض القوى الكبرى لم تعد تنظر إلى الجغرافيا باعتبارها الغاية النهائية للحرب، بل إلى مفاتيح القوة الكامنة فيها.*
*وتبقى المفارقة الأبرز أن الجيوش عبر التاريخ اعتادت التنافس على السيطرة على الأراضي، بينما تشير ملامح الصراعات المعاصرة إلى أن المنافسة تتجه بصورة متزايدة نحو السيطرة على الموارد التي تمنح تلك الأراضي قيمتها، وعلى مفاتيح التأثير التي تصنع النفوذ وتحدد موازين القوة.*
*تتغير خرائط الحروب وأدواتها، لكن الصراع على مفاتيح القوة يبقى أحد أكثر الثوابت رسوخا في التاريخ.*
كتبه :
اللواء البحري الركن م .
عبدالله بن سعيد الغامدي
11 يونيو 2026 م .



