كُتاب الرأي

*أزمة الهدف .*

*أزمة الهدف .*

*رؤية تحليلية .*

*لا تبدأ جميع أزمات الحروب من نقص القوة، بل من اضطراب القدرة على تحديد الهدف.*

*كشفت التطورات العسكرية والسياسية خلال الساعات الماضية أن جوهر الأزمة يتجاوز نتائج الضربات المتبادلة. فقد عادت الطائرات الأمريكية لتوجيه ضربات ضد أهداف عسكرية إيرانية في الساحل الجنوبي ومحيط مضيق هرمز، بينما استمرت المواجهة العسكرية في إنتاج موجات جديدة من التصعيد والردود المتبادلة، بالتزامن مع استمرار قنوات التفاوض غير المباشر بين واشنطن وطهران. وهنا يبرز واحد من أكثر مشاهد الحرب إثارة للتأمل؛ فالمواجهة مستمرة، والتفاوض مستمر، لكن دائرة المتضررين تتسع يوما بعد يوم.*

*السؤال الذي يستحق الطرح لا يتعلق بعدد الصواريخ أو حجم الضربات، بل بسبب اتساع رقعة الأزمة خارج أطرافها الأصلية. فالحروب كثيرا ما تكشف أن أصعب الأزمات ليست أزمة القوة، بل أزمة تحديد الهدف.*

*وبينما تتركز المواجهة المعلنة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تمتد آثار التصعيد مرارا إلى دول الجوار والممرات البحرية الدولية والبنية الاقتصادية الإقليمية، وكأن مساحة الأزمة أصبحت أكبر من مساحة الحرب نفسها.*

من الناحية العملياتية يمكن فهم جزء من هذا المشهد. فالقوات البحرية الأمريكية المنتشرة في بحر العرب وخليج عمان تعمل ضمن منظومة قتالية متكاملة تشمل الاستطلاع الفضائي والإنذار المبكر والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية. كما أن أي مواجهة مباشرة واسعة مع هذه التشكيلات تحمل مخاطر تصعيد يصعب التحكم في مداها. لذلك تتجه كثير من المواجهات الحديثة إلى الأطراف والبيئات المحيطة بدلا من الاصطدام المباشر بمركز الثقل العسكري للخصم.

لكن القراءة الاستراتيجية الأعمق لا تتعلق بالقدرات فقط، بل بالخيارات.

فلم تكن الكويت أو البحرين أو الأردن هي التي اتخذت قرار الضربات الأمريكية، ولم تكن هذه الدول طرفا مباشرا أو غير مباشر في أصل النزاع. ولذلك فإن اتساع دائرة الاستهدافات خارج ساحة المواجهة الرئيسية لا يعكس قوة الموقف الإيراني بقدر ما يعكس أزمة في إدارة الصراع نفسه. فالدول لا تكسب معاركها بزيادة عدد المتضررين، بل بزيادة قدرتها على التأثير في خصومها الحقيقيين.

ومن هنا تتضح أزمة القرار الإيراني. فبعد سنوات من توظيف النفوذ الإقليمي وأدوات الضغط غير المباشر، تضيق اليوم مساحة المناورة بين متطلبات المواجهة وحسابات التسوية.

واللافت أن طهران تواصل في الوقت نفسه إرسال رسائل تفاوضية عبر قنوات غير مباشرة، وتسعى إلى تخفيف الضغوط، بينما تتسع رقعة التوتر الإقليمي وتتزايد أعداد المتضررين من استمرار الأزمة. وهذا التناقض يكشف أن المعضلة لم تعد في القدرة على القتال، بل في القدرة على الوصول إلى مخرج سياسي يحفظ المصالح ويوقف الاستنزاف.

*ولهذا تبدو الحرب أقرب إلى إدارة خسائر متبادلة منها إلى سعي أي طرف لتحقيق نصر عسكري حاسم.*

*وهنا يبرز جوهر الأزمة. فالأزمات لا تتفاقم فقط عندما تشتد الضغوط، بل عندما تختلط الأولويات وتتسع دائرة الأهداف وتتراجع القدرة على التمييز بين ما يخدم الحل وما يوسع المشكلة. وعند تلك النقطة تتحول إدارة الصراع نفسها إلى جزء من الصراع.*

*ولهذا قد لا يكون أخطر ما يواجه النظام الإيراني اليوم حجم الضربات العسكرية أو الضغوط المتراكمة، بل استمرار الاعتقاد بأن توسيع دائرة الأزمة واستهداف دول المنطقة المحايدة يمكن أن يكون بديلا عن حلها .*

【 *حين تضيع بوصلة الهدف تتحول القوة نفسها إلى جزء من المشكلة.* 】

كتبه:
اللواء البحري الركن م.
عبدالله بن سعيد الغامدي

*الخميس 11 يونيو 2026 .*

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.