كُتاب الرأي

حضرموت… حين تتكلم الجغرافيا

حضرموت… حين تتكلم الجغرافيا

ليست كل الجغرافيا سواء

فهناك أراضٍ تُقاس بالكيلومترات، وأخرى تُقاس بتأثيرها في أمن الدول وموازين القوى.

وحضرموت من النوع الثاني.

من يقرأ الخريطة بعين السياسي قد يرى محافظة واسعة تمتد على بحر العرب، أما من يقرأها بعين الاستراتيجي فسيرى بوابة الجزيرة العربية الجنوبيه، وخط الدفاع المتقدم عن المملكة العربية السعودية، وأحد أهم مفاتيح الأمن والطاقة والتجارة في الشرق الأوسط.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد:

ما أهمية حضرموت؟

بل أصبح:

هل تستطيع السعودية تجاهل حضرموت وهي تعيد رسم مستقبل المنطقة؟

الجغرافيا لا تكذب

حضرموت ليست منطقة هامشية.

إنها أكبر مساحة في جنوب الجزيرة العربية، وتطل على بحر العرب بمئات الكيلومترات، وتقع بمحاذاة العمق السعودي، وتمثل منفذًا بحريًا يربط الجزيرة العربية بالمحيط الهندي بعيدًا عن نقاط الاختناق البحرية التقليدية.

ولهذا السبب ظلت حضرموت حاضرة في الحسابات الاستراتيجية للقوى الإقليمية والدولية منذ عقود، سواء في ملفات الطاقة أو الأمن أو الملاحة أو مكافحة الإرهاب. كما أن دراسات سياسية معاصرة أشارت إلى أهمية حضرموت بالنسبة للرياض باعتبارها منفذًا استراتيجيًا على بحر العرب وإحدى المناطق المؤثرة في أمن الجزيرة العربية. (Carnegie Endowment)

من يسيطر على حضرموت لا يملك مجرد أرض…

بل يملك أحد أهم مفاتيح المستقبل في المنطقة.

العلاقة مع السعودية ليست علاقة حدود

هناك من يحاول اختزال العلاقة بين حضرموت والسعودية في السياسة الحديثة.

وهذا خطأ كبير.

فالعلاقة بين الحضارم والمملكة أقدم من معظم الكيانات السياسية القائمة اليوم.

لقد تشارك الطرفان في الدين، والهجرات، والعلم، والتجارة، والمصاهرة، وأسهم الحضارم عبر أجيال في الحياة العلمية والاقتصادية والاجتماعية في الحجاز ونجد، بينما أصبحت آلاف الأسر ذات الأصول الحضرمية جزءًا من النسيج الاجتماعي السعودي. (صحيفة سبق الإلكترونية)

هذه ليست علاقة جارين…

بل علاقة مجتمعين تشكلا عبر قرون.

ولهذا فإن أي قراءة تفصل حضرموت عن عمقها السعودي هي قراءة ترفضها حقائق التاريخ قبل أن ترفضها الجغرافيا.

أمن حضرموت من أمن السعودية

السياسة الحديثة أثبتت حقيقة لم تعد قابلة للنقاش:

لا توجد منطقة مضطربة تبقى محصورة داخل حدودها.

الإرهاب يعبر الحدود.

والتهريب يعبر الحدود.

والمخدرات تعبر الحدود.

والميليشيات تعبر الحدود.

ولهذا فإن استقرار حضرموت ليس مصلحة حضرمية فقط…

بل مصلحة سعودية وخليجية وعربية.

ومن يعتقد أن ترك حضرموت للفوضى سيحمي المملكة لا يفهم طبيعة الأمن القومي.

فالفراغ السياسي لا يبقى فراغًا…

بل تملؤه دائمًا القوى الأكثر تطرفًا أو الأطراف الخارجية.

الاقتصاد هو معركة المستقبل

العالم يتغير.

لم تعد الثروة في النفط وحده.

بل في الموانئ.

والممرات البحرية.

وسلاسل الإمداد.

والزراعة.

والمعادن.

والطاقة.

وحضرموت تمتلك من هذه المقومات ما يجعلها إحدى أغنى مناطق الجزيرة العربية إذا توفرت لها بيئة مستقرة وإدارة فعالة.

ولهذا فإن أي مشروع تنموي سعودي أو إقليمي كبير في شرق الجزيرة العربية سيجعل حضرموت لاعبًا مهمًا بحكم موقعها ومواردها، وليس مجرد منطقة على هامش الأحداث.

الوهم الذي يروجه البعض

هناك من يتعامل مع حضرموت وكأنها مجرد ورقة تفاوض بين القوى السياسية.

وهذا أكبر خطأ استراتيجي.

لأن حضرموت ليست جائزة حرب.

وليست غنيمة سياسية.

وليست منطقة يمكن إدارتها بعقلية المحاصصة.

إنها كيان يمتلك خصوصيته التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، وأي مشروع لا يضع هذه الخصوصية في الحسبان سيظل مشروعًا هشًا مهما امتلك من القوة.

أين يتجه المستقبل؟

لا أحد يستطيع الجزم بشكل الترتيبات السياسية التي ستشهدها المنطقة خلال السنوات المقبلة.

لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن أهمية حضرموت الجيوسياسية والاقتصادية مرشحة للازدياد، وأن أي ترتيبات إقليمية طويلة المدى في الجزيرة العربية لن تستطيع تجاهل وزنها وموقعها. وهذا استنتاج مبني على موقعها الجغرافي ومكانتها الاستراتيجية، وليس على إعلان سياسي محدد. (Carnegie Endowment)

أما شكل العلاقة السياسية المستقبلية بين حضرموت وأي دولة أو كيان، فهو أمر تحدده التطورات السياسية وإرادة الأطراف المعنية، ولا يمكن اعتباره نتيجة محسومة سلفًا.

الكلمة الأخيرة

حضرموت ليست هامشًا في كتاب التاريخ…

بل أحد فصوله الكبرى.

وليست عبئًا على السعودية…

بل أحد أعمدة أمنها الاستراتيجي.

ومن يفهم الجغرافيا يدرك أن مستقبل الجزيرة العربية لن يُكتب من العواصم وحدها…

بل سيُكتب أيضًا من حضرموت.

والدول العاقلة لا تنتظر حتى تتحول المناطق الاستراتيجية إلى أزمات…

بل تبادر إلى تحويلها إلى مراكز للاستقرار والازدهار قبل فوات الأوان.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
11 يوليو 2026

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.