المسرح السعودي بين الموروث والحداثة

المسرح السعودي بين الموروث والحداثة
بقلم أ. بيان البشيري
كل تجربة مسرحية تبحث عن هوية تميزها، وفي المسرح السعودي لا يمكن الحديث عن هذه الهوية بعيداً عن العلاقة الجدلية بين الموروث والحداثة؛ فالموروث ليس مجرد إرثٍ يُستعاد، والحداثة ليست قطيعة مع الماضي، بل إن كليهما يشكلان معاً ملامح تجربة مسرحية تسعى إلى التعبير عن المجتمع، ومواكبة تحولاته، مع الحفاظ على خصوصيته الثقافية.
لقد شكّل الموروث الشعبي أحد أبرز المنابع التي استلهم منها المسرحي السعودي نصوصه وعروضه، بما يزخر به من حكايات، وأمثال، ولهجات، وعادات، وفنون أدائية تعكس التنوع الثقافي للمملكة، وفي هذا السياق، تؤكد دراسات المسرح السعودي أن حضور التراث لم يكن حضوراً زخرفياً أو توثيقياً عابراً، بل جاء بوصفه عنصراً درامياً يساهم في بناء الشخصيات، وصياغة الصراع، وإنتاج دلالات جديدة تعيد قراءة الماضي في ضوء الحاضر، وتبرز هنا دراسة الدكتورة مشاعل العكلي (2026) حول “الشخصية التراثية في المسرح السعودي”، والتي أوضحت فيها كيف نجح الكتّاب في تطويع الشخصيات التاريخية والأدبية لبناء أبعاد نفسية واجتماعية وثقافية متكاملة تتفاعل مع قضايا العصر وتعمق البناء الدرامي.
وفي المقابل، لم يتوقف المسرح السعودي عند استلهام الموروث، بل انفتح على مناهج المسرح الحديث، واستفاد من تطور الكتابة المسرحية، وتقنيات الإخراج، والسينوغرافيا، والتصميم البصري، بما أسهم في تطوير لغة العرض المسرحي، ومنحه قدرة أكبر على التواصل مع المتلقي المعاصر. غير أن الحداثة لا تُقاس بحداثة الشكل وحدها، بل بقدرة العمل المسرحي على تقديم رؤية فكرية وجمالية تعبّر عن الإنسان وقضاياه. ومنذ البدايات الأولى، رصدت الأدبيات المسرحية هذه التحولات؛ إذ تناول الباحث عبدالرحمن الخريجي في كتابه “نشأة المسرح السعودي” (1986) الجذور التأسيسية التي شكلت هذا الفضاء، بينما ناقش الكاتب والمخرج ياسر مدخلي في مؤلفه “أزمة المسرح السعودي” (2007) التحديات البنيوية والفنية التي واجهت مسيرة التجديد والانتقال نحو الاحترافية.
ومن هنا، فإن نجاح المسرح السعودي لا يكمن في المفاضلة بين الأصالة والتجديد، وإنما في قدرته على تحقيق التوازن الخلاق بينهما؛ فالموروث لا يكتسب قيمته من مجرد استحضاره، بل من إعادة تأويله وتقديمه بصيغ فنية جديدة، بينما تظل الحداثة وسيلة لتطوير أدوات التعبير، لا غاية بحد ذاتها. وهذا ما منح عدداً من التجارب المسرحية السعودية خصوصيتها، إذ استطاعت أن تستلهم البيئة المحلية، وتقدمها بلغة مسرحية معاصرة، دون أن تفقد ارتباطها بهويتها الثقافية.
ومع الحراك الثقافي المتسارع الذي تشهده المملكة اليوم، برزت فرص جديدة أمام المسرح السعودي، سواء من خلال دعم المؤسسات الثقافية، أو تنشيط المهرجانات، أو الاهتمام بالتدريب والتأهيل، وهو ما انعكس على تنوع التجارب المسرحية واتساع آفاقها، إلا أن هذا التطور يظل بحاجة ماسة إلى حركة نقدية موازية، توثق المنجز، وتقرأ التجارب بعمق، وتسهم في بناء ذاكرة مسرحية تحفظ هذا الحراك وتؤسس لمستقبله.
إن مستقبل المسرح السعودي، في تقديري، لا يرتبط بالانحياز الأعمى إلى الموروث أو الانجراف التام وراء الحداثة، بل بقدرته الفائقة على تحويل التراث إلى مصدر متجدد للإبداع، وتوظيف أدوات الحداثة لتطوير أدواته الفنية، فالمسرح الذي يعرف جذوره جيداً، ويقرأ واقعه بوعي، وينفتح على المستقبل بجرأة، هو المسرح الأقدر على صناعة هوية ثقافية راسخة، وحضورٍ فاعل ومؤثر في المشهد المسرحي العربي.
كاتبة مسرحية