[عورة العقل.. وسقوط الرجولة]

[عورة العقل.. وسقوط الرجولة]
في حيرة قلمٍ يتردد بين زحام الأفكار وتعدد القضايا المجتمعية التي تتزاحم على الورق، وجدتني هذا الأسبوع -وأنا أعد هذا النص لصحيفة “آخر أخبار الأرض” الأنيقة والعزيزة على قلبي- أقف أولاً موقف امتنان واجب لا يمكن تجاوزه. أود أن أزجي أسمى كلمات الشكر والتقدير لكل القراء الأعزاء الذين غمروني بلطفهم، وسكبوا في طريقي التشجيع والتحفيز، سواء بكلمة طيبة في لقاء عابر، أو عبر اتصال هاتفي، أو رسالة واتساب حافلة بالود، أو من خلال إعادة نشر المقالات في حساباتهم الشخصية. هؤلاء النبلاء هم الداعمون الحقيقيون، وهم الوقود الملهم الذي يدفعني دوماً لمواصلة الكتابة والغوص عميقاً في قضايا الإنسان والمجتمع.
ومن وحي هذا التواصل الإنساني الشفيف، أجدني مسحوباً هذا الأسبوع لطرح قضية يؤرق طيفها كل ذي مروءة، قضية تتجاوز حدود السلوك العابر لتلامس جوهر البناء الأخلاقي في مجتمعاتنا: قضية تهاوي هيبة المقامات، وافتقاد أدبيات التعامل مع من هم أكبر منا سنّاً، أو أعظم منا فضلاً وإحساناً.
إن الملاحظ المتأمل لبعض المشاهد المعاصرة يُصدم بحالة من الفجاجة الأخلاقية التي يحاول أصحابها إكساءها بغطاء زائف من “قوة الشخصية” أو “الصلابة”، بينما هي في جوهرها ليست سوى انحدار سلوكي وتبجحٍ صريح. أن يرفع أحدهم صوته، أو يغلظ القول، أو يلوّح بيده بصلف في وجه من هو أكبر منه قدراً وسناً -سواء كان ذلك في المحافل والمجالس العامة، أو خلف الشاشات وسماعات الهواتف المغلقة- فهو يعلن بلسان حاله إفلاسه الأخلاقي بالكامل، وينكث بيده أول عرى المروءة التي قامت عليها مجتمعاتنا الأصيلة.
لقد توهم البعض أن الفتوة والرجولة تُقاس بمدى القدرة على التطاول، أو فرض السيطرة باستعراض الصوت العالي، متناسين أن العمر أو المنصب أو توهم النفوذ لا يمنح أحداً -مهما بلغت سطوته- حصانة تبيح له مساس كرامة من يفوقه سنّاً ولو بأشهر معدودات، أو من سبق له أن يسّر له طريقاً أو أسبغ عليه يوماً يداً من معروف.
فالأخلاق والمبادئ ليست استعراضاً في محافل الرخاء والوفاق، بل هي ميزان واختبار حقيقي يظهر بوضوح في لحظات الاختلاف والقدرة.
في الفلسفة الأخلاقية والإنسانية عبر التاريخ، لم تكن هذه المسألة مجرد خيار أو وجهة نظر قابلة للنقاش؛ فقد اعتبر المفكرون أن توقير من هم أكبر سنّاً وفضلاً وحفظ الجميل هو العماد الصلب لبقاء المجتمعات وتماسكها.
يقول الفيلسوف الألماني كانط في مبادئه الأخلاقية: “إن احترام الإنسان للإنسان ليس خياراً نمنحه متى شئنا وننزعه متى أردنا، بل هو واجب مطلق، ويكتمل هذا الواجب أوج سطوعه حين يتصل بمن سبقونا في الحياة وقادوا خطواتنا الأولى”.
وأكّد ابن حزم الأندلسي هذا المعنى في رسائله التربوية بقوله: “من استخف بأهل الفضل والكبر، أظهر للناس عورة عقله، وسقطت هيبته من قلوب الأخيار”.
أما أفلاطون فيلخص هذا الميزان بدقة متناهية حين يقول: “إن قياس الرجل الحقيقي يظهر في كيفية معاملته لمن هو اكبر منه”.
إن من يتجاوز هذا الحد الإنساني ويمارس الفجاجة مع من هو أكبر منه، أو من كان له عليه فضل، لا يمارس البطولة كما يزين له وهمه الخاطئ، بل يسقط في لحظة واحدة من دائرة “الرجولة الحقيقية”. فالرجولة ليست مجرد هويّة بيولوجية، ولا ألقاباً تُنتزع بالصوت العالي، بل هي حصانة نفسية، وحلم عند الغضب، ومهابة تُزين صاحبها بالصمت والوقار، وحفظ أزلي لكل يدٍ امتدت يوماً بالخير.
إن التطاول على من هو أكبر منك أو من له فضل عليك سلوك مرفوض يجب أن يُشجب بوضوح وتتظافر كل الرسائل المجتمعية للتصدّي له، كي لا تفقد مجتمعاتنا ثوابتها الأخلاقية، ولكي يبقى الوقار سيد المجالس والتعاملات.
القاعدة الحياتية: توقير من هو أكبر منك سنّاً وحفظ معروف من له فضل عليك ليسا مجرد أدبٍ عابر، بل هما ميزان المروءة الصلب؛ فمن ضاق صدره عن رعاية حق السبق والفضل، انخلع عنه ثوب الرجولة والوقار.
سلطان محمد بن مسفر
كاتب رأي
المجتمعات التي تتسامح مع كسر الهرمية الأخلاقية يتآكل تماسكها تدريجياً من الداخل. فالاحترام ليس طقساً شكلياً
بل هو العقد الاجتماعي الوحيد الذي يحمي الفضاء العام من الفوضى.
دمتَ موفقاً د. سلطان في التقاط القضايا التي تختبئ خلف المشهد اليومي
وإخراج معناها الأعمق إلى الضوء.
كلام يلامس حياتنا المجتمعية اليومية نعم من لم يوقر كبيرنا الله المستعان أبدعت كما عودتنا يادكتور
كلام يلامس حياتنا المجتمعية اليومية نعم فقد اوجزت فمن لم يوقر كبيرنا أصبح عديم الرجولة . الله المستعان أبدعت كما عودتنا يادكتور