كُتاب الرأي

إعلان حر !

إعلان حر !

قبل أيام قليلة من الاحتفال بانتهاء طباعة كتابي الأول (نبذة: حين يكون الجزء كل المعنى)، داهمتني تلك الغيمة الصامتة التي يعرفها كل مؤلف، هاجس مقلق يسألني في عتمة الليل: كيف سأعلن عن هذا المولود الأدبي؟ وكيف سيصل إلى قلوب القراء في زمن تحول فيه فضاء الإعلام إلى غابة رقمية لا تتحدث إلا بلغة المادة والمقابل المالي؟
بدأت أبحث يميناً ويساراً، وتواصلت مع عدد من الأدباء والمثقفين في مشهدنا الثقافي، والذين غمروني بنبلهم وباركوا العمل. لكن أحدهم، وفي نهاية حديث أدبي ممتع، لوح لي بتلك النقطة الصارمة والسؤال المؤذي في عالم العلاقات اليوم، حين قال لي بوضوح: سأتعاون معك، ولكن.. ماذا ستقدم لي في المقابل؟
وفي أحد المجالس هذا الأسبوع، باغتني صديق بسؤال مباشر وعميق: كيف ستقدم (نبذة) للمجتمع؟
في تلك اللحظة لم أكن أملك خطة تسويقية جاهزة، لكن شرارة ضوء ومضت في عقلي فجأة: لماذا لا يكون قلمي وفكرتي هما الإعلان الأكبر؟ ولماذا لا أكتب بصدق في هذه الصحيفة الجاذبة لكل شغوف (آخر أخبار الأرض)، ليكون هذا المقال نفسه هو بوابتي التسويقية الأقوى، والنابعة من ذات التجربة؟
هذا الهاجس قادني إلى تأمل عميق في فلسفة الاعتماد على النفس. تذكرت مقولة الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه: (الإنسان الذي يملك [لماذا]يعيش من أجلها، يمكنه تحمل أي [كيف]تواجهه تقريباً).
عندما تملك الشغف والرسالة والإرادة ، تصبح التفاصيل التسويقية مجرد أدوات تطوعها أنت، ولا تدعها تطوعك.
إن الاعتماد على الذات في تحقيق النجاح لا يعني العزلة أبداً، فنحن بحاجة دائمة لبيئة تدعمنا وتلهمنا، ولكن المحرك الأساسي والوقود الحقيقي ينبع دائماً من الداخل. إذا لم تكن مؤمناً بما تحمله بين ضلوعك، فلن يؤمن بك أحد.
التاريخ يعلمنا أن أعظم التحولات بدأت بقرار فردي واجه العالم بالاعتماد على النفس.
الفيلسوف الإغريقي سقراط لم ينتظر منصات أو تمويلاً لينشر فكره، بل نزل إلى الشوارع وتحدث إلى الناس، واعتمد على قوة حجته ليصنع فكراً غير وجه البشرية.
وفي العصر الحديث، نجد الكاتبة جي كي رولينغ التي رُفض كتابها الأول عشرات المرات، لكنها اتكأت على إيمانها الداخلي وصنعت بجهدها الخاص واحداً من أكبر النجاحات الأدبية في التاريخ.
الحقيقة الحياتية تقول: طالما أن الإرادة نابعة من أعماقك، ستصل بكل تأكيد. وها أنا اليوم أقدم (نبذة) للمجتمع، ليس عبر وسيط مادي، بل عبر فكرة تسويقية أملكها أنا، وعبر حروف تنبض بالصدق نلتقي بها هنا، في صحيفة (آخر أخبار الأرض)، لتكون هي الإعلان الأجمل والأقوى.
لابد ان ندرك أن: العالم يبحث عن الثمن، والشغف يبحث عن القيمة، وبين الثمن والقيمة تسقط الأقنعة وتبقى الحروف الحرة.
حين تطلب المقابل قبل العطاء، فإنك لا تبيع خدمتك، بل تبيع إنسانيتك في سوق الروتين المادي.
التسويق الحقيقي ليس أن أدفع ليراني الناس، بل أن أكتب ما يجبر الناس أن تلتفت لبحثٍ عن الحقيقة.
في (نبذة) آمنت أن الجزء قد يحتوي الكل، وهذا المقال جزء من كل ، أرجو أن يختصر لك كل المعنى!

سلطان محمد بن مسفر

 

سلطان محمد بن مسفر

أديب سعودي، وكاتب رأي، وباحث دكتوراه في حوكمة المنظمات، ومهتم بالثقافة والأدب وريادة الأعمال، ومؤلف كتاب (نبذة: حين يكون الجزء هو كل المعنى).

‫6 تعليقات

  1. ما شاء الله يا د سلطان
    مقال عميق جداً واختصرت الموضوع كله فالقيمة والأثر الداخلي هي اللتي ستبقى والتسويق الحقيقي هو الكلمة الصادقة اللي تفرض نفسها وتخلي الناس تلتفت لها وليس المادة والمظاهر.
    ألف مبروك كتابك الأول ياصديقي الغالي وواثق بانه سيكسر الدنيا وبيوصل لقلوب القراء الله يوفقك ومنها للأعلى ❤️

  2. مقال ثري وعميق يا دكتور سلطان، لامس جانباً مهماً يغفل عنه الكثير، وهو أن الإيمان بالفكرة والاعتماد على الذات هما نقطة البداية لأي نجاح حقيقي. أسأل الله أن يبارك في كتابكم (نبذة)، وأن ينفع به…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.