كُتاب الرأي

بيوت بلا بيروقراطية

بيوت بلا بيروقراطية

سلطان محمد بن مسفر

في مجلس والدي، بعد صلاة جمعة هذا الأسبوع، دار بيننا حديث ممتد وعميق حول [البيروقراطية]تلك الكلمة الثقيلة التي تجثم على صدر العالم اليوم، وتخنق تفاصيل الشركات، والمؤسسات، والجهات الحكومية. قرأنا في ذاك العصر كيف أن هذه الإدارة التقليدية الجامدة أصبحت مقبرةً حقيقية للمواهب، وعائقاً كبيراً يؤخر قراراتٍ مصيرية لو اتُّخذت في وقتها لغيّرت مجرى الكثير من النجاحات، وكيف أنها في نهاية المطاف جعلت المنظمات والبلدان تتأخر خطوات طويلة عن ركب الآخرين.
وفي منتصف هذا النقاش، وجدت نفسي أنقل المعركة من أروقة الشركات الكبرى والوزارات إلى داخل أسوار منازلنا، حيث التفتُّ إلى الحضور وقلت لهم إننا نقدر وبكل بساطة أن نطبق هذه المفاهيم في بيوتنا، ونعيش في ظل حوكمة أسرية جميلة، نشيطة ومتفاعلة، نستخدم فيها أداة (تفويض الصلاحيات) كمنهج أصيل للإصلاح والنمو، وسنرى بتلقاء أنفسنا كيف سننجح في بناء أسرة قوية وواثقة.
وحتى أُقرب الفكرة بوضوح، التفتُّ إلى والدي—أطال الله في عمره ومتّعه بالصحة—واستشهدت بأسلوبه الإداري في تربيتنا، فقلت للجميع إن أبي لم يكن يوماً من أولئك الذين يغرقون في تفاصيل الحياة اليومية البسيطة والجزئيات التي تستهلك الوقت والجهد، بقدر ما كان يهمه الإنجاز، وتحقيق الأهداف الكبرى، والوصول إلى الغايات والنتائج. وهذا الأسلوب العفوي الحكيم الذي مارسه والدي في فضائنا العائلي، هو عينه المنهج الإداري والقيادي الذي اعتمده د. مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا الأسبق؛ ذلك الرجل الذي لم يغرق في البيروقراطية وعقودها، بل آمن بالتفويض الفعّال وتمكين القيادات في الصفوف الخلفية، وهو الأسلوب التاريخي الفارق الذي نقل ماليزيا حرفياً إلى الصفوف الأولى في العالم في كل مجال وصعيد.
ومن هذا المنطلق، ندرك أن الحوكمة النشيطة داخل الأسرة لا تعني أبداً غياب الرقابة أو التخلي عن المسؤولية الأبوية، بل تعني تحويل البيت من [مؤسسة فردية ]يديرها شخص واحد بالمركزية المطلقة، إلى [منظومة متكاملة]يشارك في قيادتها وتسييرها الجميع من زوجه وأبناء وبنات. فحين نمنح الزوجة صلاحيات كاملة ومستقلة في إدارة ملفات أساسية، وحين نُفوض للابن ميزانية محددة ليتصرف بها ويتحمل مسؤولية خياراته، وحين نُعطي البنت مساحة اتخاذ القرار والتدبير في شأن يخص العائلة؛ نحن هنا لا نوزع أعباءً ومهمات ثقيلة فحسب، بل نصنع قيادات حقيقية للمستقبل، ونزرع فيهم روح المسؤولية التي تجعلهم قادرين على مواجهة المجتمع بثبات، بدلاً من تكوين شخصيات اتكالية تنتظر [التوقيع والموافقة]من رب الأسرة في كل شاردة وواردة.
إن هذا التصرف الذكي في توزيع الصلاحيات يثمر عن نتائج مبهرة داخل المنزل، حيث يخفف العبء النفسي والجسدي عن الوالدين، ويجعل العلاقة القائمة بين أفراد الأسرة علاقة شراكة وتكامل لا علاقة آمر ومأمور، فضلاً عن كونه أرضاً خصبة لاكتشاف مواهب الأبناء وتنميتها حين يوضعون تحت محك التجربة والقرار. وتظل الحقيقة الثابتة أن حوكمة البيوت هي الخطوة الأولى لحوكمة المجتمعات، فالتخلص من بيروقراطية التربية يفتح الأبواب لجيلٍ يُدار بالثقة، جيلٍ يصنع الإنجاز ويسير بثبات نحو الصفوف الأولى.. تماماً كما تعلمتُ وعشته في مجلس والدي.
وبناءً على كل ذلك، تذكروا دائماً: إن النجاح الحقيقي ليس في أن تحكم قبضتك على خيوط بيتك وحدك حتى تنقطع، بل في أن تصنع من أفراد أسرتك قادةً يديرون معك دفتها نحو الريادة ومستقبل أفضل .

كاتب رأي 

 

 

سلطان محمد بن مسفر

أديب سعودي، وكاتب رأي، وباحث دكتوراه في حوكمة المنظمات، ومهتم بالثقافة والأدب وريادة الأعمال، ومؤلف كتاب (نبذة: حين يكون الجزء هو كل المعنى).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.