كُتاب الرأي

المقال الاول

المقال الاول

في منتصف التسعينات الميلادية، لم أكن أطلب من والدي – حفظه الله – لعبة جديدة أو هدية عابرة بقدر ما كنت أطلب منه شيئًا مختلفًا؛ أن يعود إلى المنزل حاملًا معه الصحف الورقية التي كانت تصل إلى مقر عمله.
كنت أنتظر تلك الصحف بشغف يفوق عمري آنذاك، أقلب صفحاتها وأتنقل بين أخبارها، لكن أكثر ما كان يستوقفني تلك الأعمدة المستطيلة المصطفة على جوانب الصفحات. كنت أتأملها طويلًا وأتساءل: كيف يستطيع كاتب أن يختصر فكرة كبيرة، أو تجربة عميقة، أو قضية معقدة في هذا الحيز الصغير من الكلمات؟
لم أكن أدرك حينها أنني لم أكن أقرأ المقالات فقط، بل كنت أبني علاقة مبكرة مع الكلمة.
مرت السنوات، وشهدت الصحافة الورقية تحولات كبرى. تبدلت وسائل النشر، وتغيرت عادات القراءة، وجاءت ثورة الإنترنت لتعيد تشكيل المشهد الإعلامي بأكمله. لم تعد الصحيفة تصل إلى باب المنزل مع ساعات الصباح الأولى، وانتقلت مساحات الحوار والرأي إلى الشاشات والمنصات الرقمية، وتغيرت الطريقة التي نقرأ بها ونتفاعل مع المحتوى، ليس في المملكة العربية السعودية فحسب، بل في العالم كله.
ومع كل تلك التغيرات، بقي ذلك الشغف القديم ساكنًا في مكانه، ينتظر اللحظة المناسبة.
قبل فترة وجيزة، صادفت حساب صحيفة “آخر أخبار الأرض” الإلكترونية في منصة إكس، فتذكرت ذلك الطفل الذي كان يترقب وصول الصحف الورقية، ويتأمل أسماء الكتّاب وأعمدتهم الأسبوعية. أدركت حينها أن الأحلام الصادقة قد تتأخر، لكنها لا تموت. وأن الرغبات التي تولد في داخل الإنسان في سنواته الأولى لا تختفي بمرور الزمن، بل تبقى كامنة حتى تجد الفرصة التي تستحقها.
وربما لهذا السبب أكتب اليوم هذه الكلمات؛ ليس باعتبارها مجرد مقال، بل باعتبارها شاهدًا على رحلة بدأت منذ عقود مع صحيفة ورقية على طاولة صغيرة، ووصلت اليوم إلى صحيفة إلكترونية تحمل اسمًا مختلفًا، لكن رسالتها لا تختلف كثيرًا عن تلك الرسالة التي أحببتها منذ البداية: أن للكلمة أثرًا، وأن للأفكار حياةً أطول مما نتصور.
فما يؤمن به الإنسان بصدق، ويمنحه جزءًا من قلبه، سيجد طريقه إليه يوما، ولو بعد حين.

سلطان محمد بن مسفر 

باحث دكتوراة – حوكمة المنظمات 

سلطان محمد بن مسفر

أديب سعودي، وكاتب رأي، وباحث دكتوراه في حوكمة المنظمات، ومهتم بالثقافة والأدب وريادة الأعمال، ومؤلف كتاب (نبذة: حين يكون الجزء هو كل المعنى).

‫17 تعليقات

  1. عشتُ تفاصيل كلماتك يا سلطان.. نص ممتع يربط الماضي بالحاضر بأسلوب رصين وفكر واعٍ. صح لسانك وفكرك.”

  2. أبدعت في طرحك، فكتاباتك تزخر بالمعرفة والفائدة، وتعكس ثقافة واسعة واطلاعًا عميقًا، مما يجعل القارئ أمام محتوى ثري يستحق التقدير والإشادة.

  3. “مقال جميل ومُلهم، يلامس ذاكرة جيل كامل عاش تفاصيل الصحافة الورقية وشغف انتظارها. أعجبتني الطريقة التي ربطت بها بين ذكريات الطفولة وتحولات الإعلام، وكيف بقي حب الكلمة حاضرًا رغم تغير الوسائل. بالفعل، الأحلام الصادقة قد تتأخر لكنها لا تغيب، وما يُزرع في القلب بإيمان يجد طريقه إلى النور يومًا ما. شكرًا لك على هذه الرحلة الصادقة التي تذكرنا بأن للكلمة أثرًا يبقى، وللشغف عمرًا أطول مما نظن.” 🌷

  4. وكأن لسان حالك يقول :

    رجعوني لـ الأيام الخوالي وخلوني لحالي : )

    صديق الحرف وأستاذ المفرده شكراً على هذا التجلي

  5. قرأت المقال بإعجاب كبير؛ نص يحمل دفء الذكريات وعمق الفكرة وجمال الرسالة. فخور بما قدمته، ومتأكد أن هذه البداية تسبق الكثير من النجاحات القادمة

  6. صديق العزيز ورفيق الدرب
    الدكتور سلطان
    يقال ان لكل حدث شاهد عصرً له.
    وانا شاهد عصر لموهبتك الفذة في الكتابة . ومعاصر لنمو طموحك حتى وصل إلى قربك لنيلك شهادة الدكتوراه في تخصص نادر وهو حوكمة المنظمات . ذكرت في مقالة ان الاحلام لاتموت بل هي تنتظر فرصتها للظهور فتظهر على شكل انجاز ومجد .
    فخور فيك وفي تقدمك المهني والعملي والأدبي والثقافي دائمًا …
    وفي انتظار حفل توقيع إصدارك الاول نبذة في معرض الرياض الدولي للكتاب القادم بمشية الله

  7. صدقت د سلطان ..
    فأن للكلمة أثرًا، وأن للأفكار حياةً أطول مما نتصور.
    فما يؤمن به الإنسان بصدق، ويمنحه جزءًا من قلبه، سيجد طريقه إليه يوما، ولو بعد حين.

  8. مرحبا بالدكتور سلطان المغيري العتيبي .مبدع و استاذ الدفعة في مرحلة الدكتوراه في اكاديمية السادات للعلوم الإدارية بالقاهرة 2024 نتمنى لك التوفيق والنجاح الدائم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.