كُتاب الرأي
(الحجر الأسود)

(الحجر الأسود)
…………………….
الجلوس بشكل مُريح في مكان هادئ وجيّد الإنارة ، في يديك قلم رصاص وعلى مقربة منك كتاب على طرف طاولة ، ما هي إلا بداية رحلة للإبحار في عالم الأفكار ، وما القلم الرصاص إلآ صِنارة لإلتقاط الصيد الثمين..
بين يدي كتاب ذو قيمة عظيمة يتحدث عن فضل وتاريخ -الحجر الأسود- للكاتب أ/سائد بكداش ، الكاتب جمع بين الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه السلام وتحدث عن فضلهما وتاريخهما والأحكام الفقهية المُتعلقة بهما ، وبسبب ضخامة الكتاب وصعوبة إجماله في مقال واحد ، أثرتُ وأحببت أن يكون الحديث أولاً عن الحجر الأسود ونعرج في مقال آخر عن مقام إبراهيم عليه السلام..
كان فاتحة الكتاب من قبل الكاتب سائد بكداش بحديث شريف عن عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص رضي اللّٰه عنهما قال :
سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه وسلم يقول:(الرُّكن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة ، ولو لا أن اللّٰه طَمَس على نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب)..
والركن هو الحجر الأسود والمقام هو مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، هما من الجنة في الأصل فلما جُعِل في الأرض اقتضت الحِكمة _ الإِلٰهية _ أن يُراعى فيه حُكم نشأة الأرض ، فطُمِسَ نورُه..
وبدأ الكاتب بتاريخ الحجر الأسود عند بناء إبراهيم عليه السلام للكعبة المشرفة فيما رواه الأزرقي عن ابن اسحاق قال:(فلما ارتفع البنيان قرَّب له إسماعيلُ المقام، فكان يقوم عليه ويبني ويُحوِّله إسماعيلُ في نواحي البيت ، حتى انتهى إلى موضع الركن الأسود ، قال إبراهيم لإسماعيل: أَبْغِني حجراً أضعه ها هنا يكون للناس عَلَماً يبتدؤن منه الطواف ، فذهب إسماعيل يطلب له حجراً ، ورجع وقد جاءه جبريلُ عليه السلام بالحجر الأسود ، وكان اللّٰه عز وجل استودع الركنَ جبلَ أبي قبيس ، حين غرَّق اللّٰه الأرض زمن نوح ، وقال: إذا رأيتَ خليلي يبني بيتي فأخرِجْه له ، قال: فجاءه إسماعيلُ فقال له: يا أبتِ من أين لك هذا؟ ، قال: جاءني به من لم يكِلْني إلى حَجَرِك ، جاء به جبريل ، فلما وضع جبريلُ الحجر في مكانه ، وبنى عليه إبراهيم وهو حينئذٍ يتلألأ تلألؤاً شديداً من شدة بياضه ، فأضاء نورُه شرقاً وغرباً ، ويَمَناً وشَاماً)..
ثم ذكر الكاتب أن البيت انهدم فبَنَتْه العمالقة ، ثم انهدم فبَنَتْه قبيلةٌ من جُرْهُم، ثم انهدم فبَنَتْه قريش ، فلما أرادوا أن يضعوا الحجرَ تنازعوا فيه، فقالوا : أوَّلُ رجلٍ يدخل علينا من هذا الباب فهو يضعه ، فجاء رسولُ اللّٰه صلى الله عليه وسلم فأمَرَ بثوبٍ فبُسِط ، ثم وَضَعه فيه ، ثم قال: ليأخُذْ من كل قبيلةٍ رجلٌ من ناحية الثوب ، ثم رفعوه، ثم أخذه رسولُ اللّٰه صلى الله عليه وسلم فوضعه..
ثم تعرض الكاتب للحوادث التي أصابت الحجر الأسود عبر العصور وأثّرت فيه بتصدع وتكسر ونحو ذلك ، أولاً: الحريق الذي أصاب البيت وأثّر على الحجر الأسود في عهد قريش قبل الإِسلام فاحترق واشتدَّ سواده ، والحريق الثاني في الإِسلام في عصر عبد اللّٰه بن الزبير رضي اللّٰه عنهما حين حاصَرَه الحصينُ بن نُمَيْر الكِنْدي فاحترقت الكعبة المشرفة واحترق الحجر الأسود فتفلَّق ثلاث فِلَق حتى شدَّ شُعَبَه ابنُ الزبير بالفضة ، فكان ابنُ الزبير أوَّلَ مَنْ رَبَطَ الركنَ الأسود بالفضة..
وفي عهد أمير المؤمنين هارون الرشيد كانت الفضة التي على الحجر الأسود قد رقَّت وتزعزت عن محلها ، حتى خافوا على الركن أن ينقَضَّ ، فلما اعتمر هارونُ الرشيد عُمْرَته سنة 188هـ أَمَر بإصلاحه ، وأَمَر بالحجارة التي بينها الحجر الأسود ، فتُقِبتْ بألماس من فوقها وتحتها ثم أُفرغ فيها الفضة وهي الفضة التي عليها اليوم..
ثانياً: سرقة القرامطة للحجر الأسود بعد أن ضربوه بدبوس وكسروه ثم قلعوه عام 317هـ قبلها اقتحموا المسجد الحرام وقتلوا الحجاج وردموا بئر زمزم ، وتوجهوا بالحجر الأسود إلى بلدة -هجر- البحرين..
ظل مكان الحجر خالياً إلى أن أعادهُ وردهُ إلى موضعهُ سنبر بن الحسن القرمطي عام 339هـ..
ثم توالت حوادث فردية متفرقة لسرقة وتخريب الحجر الأسود تنتهي جميعها بالفشل وقتل مرتكبيها ومنها :سرقة من قِبل رجل نصراني من الروم عام 363هـ ، وكذلك رجل مُلحد أغواه الحاكم العُبيدي في مصر عام 413هـ ، وكذلك حادثة رجل أعجمي من العراق عام 990هـ ، والحادثة الأخيرة كانت على يد رجل فارسي من بلاد أفغان عام 1351هـ في عهد الملك عبدالعزيز ال سعود حيث سرق الرجل قطعة من الحجر الأسود وقطعة من ستارة الكعبة وقطعة فضة من مدرج الكعبة وتم إلقاء القبض عليه من قبل حرس المسجد الحرام ، حيث حضر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمٰن آل سعود رحمه اللّٰه من مَصِيْفه بالطائف قبل توجهه إلى الرياض، وحضر بعض الأعيان، وعمل الأخصائيون مُرَكَّباً كيمائياً مضافاً إليه المِسْك والعنبر، لتثبيت تلك القطعة، وأعادوها إلى محلها ، وقد تم تثبيت عدة أطواق حول الحجر الأسود لحمايته آخرها في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز رحمه الله..
انتقل الكاتب بعد ذلك لذكر صفة ولون وقياس الحجر الأسود فقال:
الحجر الأسود حجر نزل من الجنة ، مُودَع – بأمر اللّٰه لنبيه إبراهيم الخليل – في ركن الكعبة المشرفة الذي يُبتدأ منه الطواف وهو الركن الجنوبي الشرقي من الكعبة المشرفة وقد سُمِّي هذا الحَجَر في الحديث ب (الركن)..
أما لونه فكان أبيض من الثلج ومن اللَّبَن، لكن سوَّدَتْه خطايا المشركين، وهو بقَدْر ذراعِ كما ورد في الأثر عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّٰه عنهما قال:(كان الحجر الأسود أبيض من اللبن، وكان طوله كعَظْم الذراع) ، وهو مغروس في بناء الكعبة ولا يظهر منه إلاَّ رأسه الذي اسودّ من خطايا المشركين ، أما ما غُرس في بناء الكعبة المشرفة فلونه أبيض..
والذي يظهر من الحجر الأسود الآن في زماننا – منتصف القرن الرابع عشر الهجري – ونستلمه ونقبِّله: ثماني قطع صغار مختلفة الحجم ، أكبرها بقَدْر التمرة الواحدة والبقية قد تساقطت منه حين الاعتداءات عليه من بعض الجهَّال والمعتدين في الأزمان السابقة..
وختم الكاتب حديثه عن فضائل الحجر الأسود فقال: عن عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص رضي اللّٰه عنهما أن رسول اللّٰه صلى الله عليه وسلم قال:(يأتي الركنُ يوم القيامة أعظم من أبي قُبَيْس، له لسان وشفتان يتكلم عمَّن استلمه بالنيَّة، وهو يمين اللّٰه يصافح بها خلقَه)..
عن ابن عباس رضي اللّٰه عنهما قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه وسلم:«نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشدُّ بياضاً من اللَّبَن، فسوَّدَته خطايا بني آدم»..
وزاد الحجر الأسود شرف بتقبيل النبي صلى الله عليه وسلم له حين طاف بالبيت العتيق مستلماً له..
كما أن المسح عليه باليد مكفّر للخطايا ، وهو من مواطن إجابة الدعاء ، عن ابن عباس رضي اللّٰه عنهما قال :(إن الركن يمين اللّٰه عز وجل في الأرض، يصافح بها خلقه، والذي نفس ابن عباس بيده، ما من امرىء مسلم يسأل اللّٰه عز وجل شيئاً عنده إلّاَ أعطاه إياه)..
وعند الحجر الأسود تتزاحم الملائكة على تقبيله وعنده تُسكب العبرات وتذهب الحسرات وتُجاب الدعوات وتُقال العثرات بإذن رب الأرض والسماوات ، عن جابر بن سَمُرة رضي اللّٰه عنه قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه وسلم: (إني لأعرف حَجَراً بمكة، كان يُسَلَّم عليَّ قبل أن أُبْعَث ، إني لأعرفه الآن)رواه مسلم ، وهُنا يشير الرسول صلى اللّه عليه وسلم ويقصد الحجر الأسود..
إلى هُنا انتهت رحلتنا في كتاب (فضل الحجر الأسود) للأستاذ سائد بكداش وكلي أمل أن يكون صيد سنارتي يُشبع جوع فكركم ، دمتم بخير..
…………….
الكاتبة:أحلام أحمد بكري

