كُتاب الرأي

*حين تتقدم التسويات على لغة الحرب .*

*حين تتقدم التسويات على لغة الحرب .*

*رؤية تحليلية استراتيجية .*

تدخل الأزمة الأمريكية ـ الإيرانية مرحلة تبدو فيها الدبلوماسية أكثر حضورًا من أصوات الصواريخ، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن المنطقة قد اقتربت فعليًا من نهاية التوتر. فالمتابع للتغطية الدولية الصادرة عن واشنطن ولندن وبروكسل والعواصم الآسيوية يلاحظ أن النقاش لم يعد يتركز على إحتمالات المواجهة العسكرية المباشرة بقدر ما ينصب على طبيعة التسوية الممكنة أو المرجحة وحدودها ومدى قدرتها على الصمود أمام إرث طويل من انعدام الثقة.

ويواصل الرئيس الأمريكي / دونالد ترامب الحديث عن اقتراب قرار حاسم بشأن اتفاق محتمل مع طهران، بينما تؤكد الأخيرة أن المفاوضات لم تصل بعد إلى مرحلة الحسم النهائي، وتنفي بعض ما يطرح إعلاميًا حول تفاصيل التفاهمات المتداولة. ويعكس هذا التباين حجم الفجوة القائمة بين التوقعات السياسية وسقف التفاهمات الفعلية التي ما زالت قيد النقاش.

ولا يعني هذا الاختلاف بالضرورة تعثر المفاوضات أو فشلها، بقدر ما يكشف حجم التعقيد الذي يحيط بها. فالقضايا المطروحة اليوم لم تعد تقتصر على وقف التصعيد أو ضمان حرية الملاحة البحرية فحسب، بل تمتد إلى ملفات أكثر حساسية تتعلق بمستقبل البرنامج النووي الإيراني، ودور الأذرع ( الإرهابية ) المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري، وترتيبات الأمن الإقليمي في الخليج العربي، إضافة إلى ضمانات التنفيذ وآليات الرقابة طويلة الأمد.

وترى العديد من مراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية الدولية أن جوهر الأزمة الحالية لا يكمن في التوصل إلى اتفاق بحد ذاته، وإنما في القدرة على ضمان استمراريته. فقد أظهرت التجارب السابقة أن الاتفاقات المؤقتة تستطيع تخفيف حدة الأزمات، لكنها لا تنجح دائمًا في إزالة أسبابها العميقة. ومن هنا يبرز التحدي الأكبر أمام أي تسوية مرتقبة؛ إذ إن المجتمع الدولي لا يبحث فقط عن توقيع جديد، بل عن سلوك استراتيجي مستقر يمكن الوثوق باستمراره.

كما تتحمل طهران جانبًا مهمًا من هذا التعقيد نتيجة سنوات طويلة من السياسات الثورية الهجومية والتدخلية السافرة بل والغاشمة الصائلة ، وتوسيع النفوذ عبر الجماعات الإرهابية المسلحة والمنظمة ، وتكرار الأزمات المرتبطة بالملاحة والطاقة والأمن الإقليمي. ولذلك تحولت أزمة الثقة إلى جزء أصيل من المشكلة، ولم تعد مجرد نتيجة جانبية لها.

وفي المقابل، تدرك واشنطن أن أي اتفاق لا يوفر مستوى مقبولًا من الضمانات العملية سيظل معرضًا للاهتزاز مع أول أزمة إقليمية جديدة. ولهذا تبدو الإدارة الأمريكية حريصة على تحويل أي تفاهم سياسي إلى ترتيبات أمنية واقتصادية قابلة للقياس والتنفيذ، بدل الاكتفاء بالتصريحات أو التفاهمات العامة.

*وتقف المنطقة اليوم أمام مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية؛ مرحلة لم تعد الحرب فيها قادرة على فرض تسوية كاملة، ولم ينجح التفاوض بعد في إنتاج سلام مستقر. وبين هذين المسارين تبقى قرارات النخب السياسية، لا القدرات العسكرية وحدها، العامل الأكثر تأثيرًا في رسم المشهد القادم، بينما تترقب العواصم العالمية ما إذا كانت المفاوضات ستنجح في إغلاق أحد أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيدًا، أم أنها ستؤجل الأزمة إلى جولة جديدة من الاختبارات والمواجهات.*

*( الأزمات الكبرى لا تنتهي عندما تتوقف المعارك فحسب، بل عندما تتوقف أسبابها عن إنتاج الخوف والشك . وما يربك العالم ليس ما يقوله بعض القادة دائمًا… بل ما يتركونه خلف أبواب القرار المغلقة، لأن الغموض كان ولا يزال أحد أقدم أدوات السياسة ) .*

كتبه :
اللواء البحري الركن / م.
عبدالله بن سعيد الغامدي

*يوم السبت (30) مايو 2026 .*

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.