حزب الإفساد اليمني

حزب الإفساد اليمني
لم تعد الأزمة في اليمن مجرد صراع سياسي عابر بين أحزاب متنافسة، بل تحولت منذ سنوات طويلة إلى منظومة فساد متكاملة تتقاسم فيها القوى الحزبية والعسكرية والثروات والنفوذ، تحت لافتات وطنية ودينية وشعارات براقة لا تمت للواقع بصلة.
وفي الحقيقة، فإن ما يُسمّى بالأحزاب اليمنية لم تُبنَ يوماً على المفهوم الحقيقي للأحزاب السياسية القائمة على البرامج والرؤى والمؤسسات والتداول الديمقراطي، بل نشأت في معظمها ككيانات هشة أقرب إلى المليشيات المنظمة، تتخذ من السياسة غطاءً لتقاسم النفوذ والثروة، ومن الشعارات الوطنية والدينية وسيلة للسيطرة والابتزاز وإعادة إنتاج الهيمنة.
ومن بين أكثر هذه الكيانات قدرة على التغلغل والمراوغة والتلون، برز حزب الإصلاح، أو كما يسميه كثير من الحضارم اليوم “حزب الإفساد”، بوصفه أحد أخطر المشاريع التي اخترقت حضرموت منذ إعلان الوحدة اليمنية، ليس عبر المواجهة المباشرة، بل عبر ما يمكن وصفه بـ “الاحتلال الناعم”.
فمنذ السنوات الأولى للوحدة، تشكلت بين نظام علي عبدالله صالح وحزب الإصلاح علاقة تقاسم مصالح ونفوذ، كان ظاهرها الشراكة السياسية، بينما حقيقتها توزيع أدوار للسيطرة على البلاد وإحكام القبضة على المحافظات الغنية وعلى رأسها حضرموت.
أُعطي لعفاش الجانب العسكري والأمني والقبلي، بينما أُعطي للإصلاح الجانب الديني والاجتماعي والتربوي، فبدأ الحزب بالتغلغل داخل النسيج الحضرمي بهدوء شديد، مستفيداً من طبيعة المجتمع المحافظ والمتدين، ومن احتياجات الناس الاقتصادية والمعيشية، ليبني شبكاته بعيداً عن الصدام المباشر.
لم يدخل الإصلاح حضرموت بالدبابات، بل دخلها عبر المساجد والمنابر والخطب والمراكز الصيفية والجمعيات الخيرية والواجهات الدعوية، مستغلاً عاطفة الناس الدينية وثقتهم برجال الدين، ليحوّل الدين من رسالة أخلاقية وروحية إلى أداة سياسية تُستخدم لتوجيه المجتمع وتطويعه بما يخدم مشروعه الحزبي.
ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر مجرد نشاط دعوي أو اجتماعي، بل تحول إلى مشروع اختراق متكامل استهدف مفاصل حضرموت الحيوية:
التعليم،
والإدارة،
والقضاء،
والإعلام،
والأمن،
وحتى الاقتصاد والثروات الطبيعية.
فأصبحت حضرموت بالنسبة لهم خزينة مفتوحة، تُستنزف ثرواتها النفطية والسمكية والبحرية والبرية لصالح مراكز النفوذ، بينما يعيش المواطن الحضرمي أبسط حقوقه في الخدمات والكهرباء والبنية التحتية.
ولم يكتفِ الحزب بالسيطرة المدنية، بل عمل تدريجياً على بناء نفوذ عسكري وأمني يحمي مصالحه، مستفيداً من غطاء ما يسمى “الشرعية”، ومن تحالفاته القديمة داخل مؤسسات الدولة العميقة.
ولهذا لم يكن وجود المنطقة العسكرية الأولى في وادي حضرموت مجرد صدفة عسكرية، بل كان جزءاً من منظومة نفوذ متكاملة استخدمت القوة العسكرية كأداة لضبط المشهد ومنع أي مشروع حضرمي مستقل يسعى لإدارة الأرض والثروة والقرار.
وحين بدأت هذه المنظومة تتعرض للاهتزاز والانكشاف الشعبي، غيّر الحزب تكتيكاته كعادته، فبدأ بالتغلغل داخل تشكيلات أمنية وعسكرية جديدة تحت عناوين مختلفة، محاولاً إعادة إنتاج نفوذه بأدوات جديدة وواجهات محلية، مع الاستمرار في استخدام شعار “الوحدة اليمنية” كغطاء سياسي لأي محاولة لإبقاء حضرموت رهينة لهذا النفوذ.
والأخطر من ذلك، أن الحزب لم يكن يخشى فقط استقلال القرار الحضرمي، بل كان يخشى الوعي الحضرمي نفسه.
لأن أي صحوة حضرمية حقيقية تعني سقوط مشروع الهيمنة بالكامل.
ولهذا عمل لسنوات على تشويه الهوية الحضرمية، وإضعاف الشخصية الحضرمية المستقلة، ومحاولة ربط حضرموت قسراً بصراعات ومشاريع لا تمثلها، في الوقت الذي كانت فيه حضرموت تاريخياً كياناً قائماً بذاته، بهويته وثقافته وعلاقاته وامتداده الحضاري الخاص.
لكن المتغير الأهم اليوم، أن كثيراً من الحضارم باتوا يدركون حجم اللعبة التي مورست عليهم لعقود، وبدأوا يفرقون بين الدين الحقيقي وبين توظيف الدين سياسياً، وبين العمل الوطني الحقيقي وبين مشاريع النفوذ الحزبي المغلفة بالشعارات.
لقد سقط القناع.
وبات واضحاً أن ما جرى طوال العقود الماضية لم يكن مشروع بناء دولة، بل مشروع تقاسم نفوذ وثروات، كانت حضرموت إحدى أكبر ضحاياه.
واليوم، لم تعد القضية بالنسبة للحضارم مجرد خلاف سياسي مع حزب أو تيار، بل معركة وعي وهوية وكرامة وحق في إدارة الأرض والثروة والمصير بعيداً عن هيمنة الأحزاب الكرتونية التي لم تنتج سوى الفساد والانقسام والفوضى.
