كُتاب الرأي

الأخت: ظل الأم وذاكرة الطفولة

الأخت: ظل الأم وذاكرة الطفولة

بقلم/ د.عبدالاله محمد جدع

✔️ الأخت في حياتنا ليست فردا زائدا في شجرة العائلة، ولا اسما يجاور أسماء الإخوة في دفتر النسب فقط.. إنها مقام عاطفي خاص، يتشكل في قلب الرجل بعد مقام أمه وأبيه، ثم يبقى كضوء لا يعرف الانطفاء..فللأب مكانته التي تقوم على السند والهيبة والاتجاه، وللأم مكانتها التي تقوم على الحنان والرحمة والاحتواء.. أما الأخت، فهي عجيبة بين المقامين، ففيها من الأم حنانها، ومن الأب وقوفه، ومن الصديق إنصاته، ومن الطفولة سرها الأول.
لهذا تبدو العلاقة بها مختلفة، لا تفسر بالعقل وحده، ولا تختصر في كلمة قرابة.. فهي تعرف أخاها قبل أن تصقله الحياة، وتراه في ضعفه الأول، وخجله الأول، وخوفه الأول، وتعرف ضحكه قبل أن يتعلم الوقار، ودمعه قبل أن يتعلم إخفاءه.. ولهذا لا يحتاج عندها إلى تمثيل القوة دائما، فهي ليست جمهورا يحكم عليه، وإنما ذاكرة تحنو عليه.
✔️ وحين تفقد الأم، يحدث فراغ لا يملؤه أحد، لكن الأخت تقترب من حافة ذلك الفراغ فتخفف وحشته.. لا تأخذ مكان الأم، فالأم مقام لا يتكرر، لكنها تصبح امتدادا لحنانها، وصوتا من أصوات البيت القديم، ونافذة تطل منها الروح على زمن كان أكثر أمانا..فعندها يجد الرجل إنصاتا لا يشبه إنصات الغرباء، ودعما لا تعلنه، ومساندة لا تطلب عليها شكرا.. وكأنها تقول له بصمت.. ما زال لك في هذا العالم حضن من دمك، وقلب يعرفك قبل أن تشرح نفسك..
والأخت حين تكبر وتتزوج وتبني بيتها، تغادر المكان، لكنها لا تغادر الوجدان.. فيصبح بيتها بيتا آخر للطفولة، ووجهها دليلا إلى العائلة حين تتبعثر الوجوه.. فهي قريبة بالدم، قريبة من القلب، بعيدة عن الحساب، وحبها ليس حب امتلاك، ولا حب مصلحة، ولا علاقة عابرة..
✔️ وحين ترحل الأخت لا يغيب شخص واحد فقط، وإنما يغيب باب من أبواب الطفولة، وصوت من أصوات الأم، ووجه من وجوه الأمان.. فالذين أحبونا بصدق لا يموتون كاملين، إذ يبقى منهم أسلوبهم في الحنان، وطريقتهم في السؤال، ومكانهم في القلب حين تضيق الدنيا..
وشخصيا، ما كان لي غير أخت وحيدة تزوجتْ وعمري أربع سنوات..رحمها الله رحمة واسعة..
كنت أحب بيتها منذ الصغر، وأجد فيه شيئا من دفء الأم، ومن سعة العائلة، ومن فرح الطفولة.. وكنت أحب قضاء الوقت عندها في الإجازات والمناسبات، لأنني لم أكن أزور بيتا عاديا، كنت أزور حنانا يعرفني، وذاكرة تحتويني، ووجها يراني صغيرا مهما كبرت..وقد كانت تؤثرني أحيانا على بناتها وأولادها، لا انتقاصا منهم، لكن لأن في قلب الأخت مكانا خاصا لأخيها الصغير.. مكانا لا يزاحم أحدا، ولا يلغيه أحد.
رحلت شقيقتي منذ زمن، ومازلت أفهم أن الأخت ليست مجرد قريبة..لكنها وطن صغير، وامتداد من حنان الأم، وإذا فقدها الإنسان، فقد شاهدا من شهود عمره، وبابا كان كلما طرقه عاد طفلا مطمئنا.

كاتب رأي

 

الدكتور / عبدالإله محمد جدع

أديب وشاعر وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.