حين تكتب المرأة… تنبض القصة بوجهٍ آخر
حين تكتب المرأة… تنبض القصة بوجهٍ آخر
الدكتورة سارة الأزوري
منذ أن خطّت المرأة العربية خطواتها الأولى في عالم السرد، تردّد السؤال في الأفق بصيغٍ متجددة: هل تفوقت على الرجل في كتابة القصة؟
والجواب لا يُقاس بمعيار النوع؛ فالإبداع لا يعرف موازين الذكورة والأنوثة، بل يعرف موازين الفن وقدرة الكاتب على النفاذ إلى الأعماق.
القصة لا تُصغي لاسم كاتبها بقدر ما تُصغي لصوت النص، ولإيقاعه الذي يهزّ القارئ ويترك في داخله أثرًا لا يُمحى.
المقولة التي تقول إن المرأة تجيد كل شيء لكنها لا تتفوق في شيء، عالقة في الذاكرة كغيمةٍ تحجب الضوء لكنها لا تمنح ماءً.
فالمرأة حين تُمنح وقتًا نقيًا وفضاءً حرًّا، تُبدع نصوصًا مشبعة بالصدق، كقطرات المطر: قليلة العدد، عميقة الأثر، تُحيي أرضًا عطشى وتورق منها حياة جديدة.
يكفي أن نفتح دفاتر التاريخ لنرى كيف تجسّد حضورها في القصة؛ فسميرة عزام التقطت نبض فلسطين وجعلت من القصة شهادةً على اقتلاع الجذور ومرارة المنافي، وليلى العثمان غاصت في المسكوت عنه داخل المجتمع الكويتي، ورجاء عالم منحت النص السعودي بعدًا صوفيًا ولغويًا متفرّدًا، فيما اقتربت بدرية البشر من اليوميّ الهشّ، كاشفةً تناقضاته بلغةٍ شفيفة تمسّ العادي فتضيئه، واشتغلت أميمة الخميس على التاريخ والذاكرة، تعيد تشكيلهما بسردٍ يزاوج بين الحسّ البحثي والخيال، فينفتح النص على أسئلة الهوية وتحولات الزمن، ومن الأردن تبرز سميحة خريس التي انشغلت بالتاريخ الاجتماعي وتفاصيل الإنسان العربي في تحوّلاته، فيما نسجت تغريد النجار عوالمها بلغةٍ أقرب إلى البراءة العميقة، تستدعي الطفولة وتمنحها قدرةً على مساءلة الواقع برهافة؛ وأليس مونرو رفعت القصة القصيرة إلى منصة نوبل حين حوّلت اليومي إلى أسطورة صغيرة.
وهذا غيضٌ من فيضٍ؛ فالمشهد أوسع من أن يُختصر في أسماء، وأغنى من أن يُحاط بسردٍ واحد، إذ تتوالد فيه التجارب كما تتوالد الحياة، وتتقاطع الأصوات حتى يغدو النص فضاءً رحبًا تتجاور فيه الحكايات، كلٌّ يكتب أثره بطريقته، ويترك في الذاكرة ما يُشبهه.
هذه الأسماء وحدها كفيلة بتفجير الدلالات حول حضور المرأة وعمق إبداعها.
أما الرجل في حياة الكاتبة، فحضوره لا يتخذ شكلًا واحدًا؛ قد يكون سندًا يمنحها طمأنينةً تفتح أمامها أفق الكتابة، وقد يكون ثِقلاً يُرهقها بأعباء الحياة.
وهذا ما نلاحظه لدى بعض النساء المبدعات اللاتي يخفت إبداعهن بعد الارتباط، لأن المجتمع يضع على كتفيها أثقالًا تتناوب بين الواجب والحرمان.
ومع ذلك، نجد كاتباتٍ ازداد إشراقهن بعد الزواج، لأنهن وجدن شريكًا يتفهم أن الكتابة ضرورة وجود، لا هواية عابرة.
التحدي الأعمق يكمن في القصة ذاتها؛ فهي كائن دقيق يعيش على حافة المفارقة، يحتاج إلى يدٍ تُمسك بخيوط السرد، وعينٍ تزن الإيقاع، وقلبٍ يقتنص اللحظة.
من لم يُتقن أدواته تاه في مساراتها، ومن أحكم نسقها حوّل التعقيد إلى سلاسة، كما يحوّل العازف الأوتار المشدودة إلى لحنٍ يفيض بالعذوبة.
المرأة حين تكتب، تُنصت لما لا يُقال.
تلتقط التفاصيل الهاربة: نظرة، كلمة تختزن وجعًا صامتًا، وتعيد تشكيلها بحسّ إنساني فيّاض.
أما الرجل، فغالبًا ما يتجه إلى البنى الكلية، إلى صراع الإنسان مع السلطة والمصير، إلى الأسئلة الكبرى التي تُعيد ترتيب المفاصل.
وهذا الاختلاف لا يرتهن بتفوق طرف، بل يُقيم اتساقًا في المشهد الإبداعي ويمنحه أفقًا أوسع.
في نهاية المسار، يتبدّل السؤال: لم تعد القضية تفوقًا بين رجل وامرأة، بل في تمكين التجربة الإبداعية لتواصل نبضها الإنساني بلا قيد.
كل نصّ صادق، كُتب بوجعٍ أو بيقين، هو غصن جديد في شجرة الذاكرة، يورق على وجوه العابرين، ويترك في العالم أثرًا لا يزول.
كاتبة رأي
