أزمة العمالة المنزلية

أزمة العمالة المنزلية
حين يبلغ السيل الزبى
الدكتورة سارة بنت مرزوق
قد يلومني البعض لخوضي في تفاصيل موضوع العمالة المنزلية، خلافاً لاهتماماتي الأدبية والنقدية، لكن الوضع تفاقم حتى “بلغ السيل الزبى”، ولم يعد الصمت خياراً أمام فوضى صامتة تنهش استقرار البيوت. إن ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد قصور في الأداء، ليتجسد في خلل اجتماعي ومهني يطرق أبوابنا بعنف. فمكاتب الاستقدام، التي اكتظت بتجارة سريعة، باتت تقدم وعوداً براقة ورسوماً باهظة، لتصل عاملات يفتقرن للتأهيل الحقيقي، ويجهلن طبيعة المجتمع، ويغيب عنهن الانضباط أو الرغبة في التعلم.
ولا تقف المشكلة عند ضعف التأهيل فحسب، بل تمتد إلى الارتفاع الكبير في تكاليف الاستقدام، حتى أصبحت خارج قدرة كثير من الأسر متوسطة الدخل، رغم الحاجة الماسة إلى العمالة المنزلية، خصوصاً لدى الموظفات اللاتي يحتجن إلى من يرعى أطفالهن أثناء ساعات العمل، وكبيرات السن غير القادرات على القيام بأعباء المنزل. وقد دفع هذا الواقع كثيراً من الأسر إلى اللجوء للعمالة المنزلية غير النظامية، التي فرضت بدورها أسعاراً مبالغاً فيها، مستغلة حاجة الناس وقلة البدائل، حتى أصبحت بعض الأسر عالقة بين كلفة الاستقدام الباهظة ومخاطر الاستعانة بعمالة مخالفة للأنظمة
لقد استحوذ الهاتف على بعض العاملات، فصار محور اهتمامهن، يغيب التركيز بحضوره، ويتراجع العمل، ليحل التوتر اليومي نتيجة تكرار الملاحظات وضعف الالتزام. أما العمالة المتنقلة شهرياً، فغالباً ما تكون أكثر إرباكاً؛ فكثرة التنقل تصنع عقلية مؤقتة ترى في البيت محطة عابرة، تعمل وفق المزاج وليس وفق المسؤولية.
ولا تقتصر آثارها على غياب الاستقرار المهني فحسب، بل تثير أيضاً مخاوف صحية مشروعة نتيجة انتقالها المتكرر بين عدد من المنازل خلال فترات متقاربة، بما قد يزيد من احتمالات نقل بعض الأمراض المعدية عند غياب الرقابة والفحوص الدورية الكافية.
وحين تواجه بالتنظيم، تنسحب سريعاً خلف ذريعة “العودة للمكتب”، وسط صمت شركات تكتفي بتدوير العقود عوضاً عن معالجة الخلل الجذري.
تتمدد المشكلة لتطال مفاصل العلاقة الإنسانية والمهنية داخل البيوت، فتتآكل الحدود وتفتح أبواب القيل والقال وسوء الظن. فالبيت مساحة أمان واستقرار، وأي خلل في فهم هذه العلاقة يربك الأسرة بأكملها. لا يرتهن الحل للعاملة وحدها، بل يبدأ من مكاتب الاستقدام ووضوح الأنظمة، وبناء نسق مهني يحفظ الاحترام والخصوصية منذ اليوم الأول. ويتعمق القلق حين تُستغل الخصوصية لتجاوز الحدود الأخلاقية، مستفيدات من غياب الرقابة وضعف متابعة المكاتب التي جعلت ديدنها تدوير العقود لا حماية البيوت.
تتجسد المسؤولية في هذه الأزمة على أطراف عدة، فالمكاتب أصبحت ترى في الأمر تجارة محضة، متجاهلة دورها في التأهيل والرقابة. لذا، يكمن الحل في تفعيل آليات حازمة تضمن الانضباط؛ حيث ينبغي فرض الصرامة على الشركات والمكاتب، فإذا هربت العاملة أو سجلت ملاحظات جوهرية على أدائها، يجب تغريم مكاتب وشركات بلدها الأصلي. هذا الإجراء سيجعل تلك المكاتب أكثر حرصاً على اختيار العاملات وتأهيلهن، ولن تدفع الغرامة دون تحميل العاملة ما تم خسارته، مما يخلق رادعاً حقيقياً يمنع الاستهتار.
إن التفلت يكمن أيضاً في حلقة “التدوير” المفرغة للعمالة الوافدة؛ فكثير من العاملات اللاتي يتم ترحيلهن يعُدن مرة أخرى من خلال مكاتب وشركات أخرى، مما يجعل المشكلة تتفاقم وتستمر. يجب كسر هذا النسق من التدوير عبر نظام مركزي يمنع عودة العاملات ذوات السجل السلبي بشكل نهائي.
للحصول على عمالة منزلية منضبطة، يجب تفعيل مسارات التأهيل الجاد قبل القدوم، ووضع معايير واضحة للانضباط تربط بعقوبات صارمة. يمكننا الاستفادة من تجارب دول كماليزيا في انضباط عمالتها، وهو انضباط لا يرتهن لقلة الإنسانية، بل لتطبيق أنظمة حازمة وواضحة منذ البداية. نحن في دول الخليج نتسم بإنسانية عالية، وهذا ما يجعلنا وجهة مفضلة للعمل، لكن هذه الإنسانية يجب أن تترافق مع نظام يحمي حقوق الجميع ويفرض الالتزام.
وفي سياق الحلول الاستراتيجية، يبرز مقترح مراجعة لائحة العمالة المنزلية، لضمان دقة العبارات القانونية وتحديدها بوضوح، خاصة ما يتعلق بـ “السبب المشروع لترك العمل”، وذلك لسد أي ثغرات قد تستغل للتلاعب. كما أن تحويل مرجعية التعاقد من الكفالة الفردية إلى شركات كبرى متخصصة، تتولى مسؤولية العاملة بشكل كامل، من استقدام وتأهيل ورعاية وحفظ حقوق، يمثل “وصفة سحرية” لإنهاء الأزمة، ويسهم في تقليل التكاليف على المواطن، ويعزز الصورة الدولية، ويحد بشكل فعال من ظاهرة هروب العمالة المنزلية، بما يضمن علاقة عمل أكثر احترافية وانضباطاً.
ولا يغيب عن الحلول تأسيس مؤسسة مدنية أو جمعية مستقلة متخصصة للعمالة المنزلية، لتمثل المواطنين وتحفظ حقوقهم، وتستلم الشكاوى، وتتخذ كل التدابير اللازمة لحماية مصالحهم. ولضمان حقوق أصحاب العمل، يقترح البعض الاحتفاظ بجزء من راتب العاملة عن فترة التجربة في حساب خاص لدى الجهات المعنية، لا تستلمه إلا نهاية الخدمة، أو يستخدم لتغطية تكاليف ترحيلها إن هربت.
إن هذه الحلول المتكاملة، التي تجمع بين الصرامة القانونية، والآليات المالية الرادعة، وتطوير الأنظمة، والاستفادة من التجارب الناجحة، هي الكفيلة بتحويل البيت من ساحة فوضى إلى مساحة أمان واستقرار حقيقيين.
كاتبة رأي

