تحقيق صحفي عن اتفاقية مكة للدفاع المشترك

اتفاقية مكة للدفاع المشترك
ثلاث قوى.. وثلاثة أضلاع لصناعة معادلة أمنية جديدة
مكة المكرمة – تحقيق – الدكتور عبدالرحمن الوعلان
في لحظة وطنية واستراتيجية فارقة، واكبت صحيفة آخر أخبار الأرض الإلكترونية الحدث منذ لحظاته الأولى، انطلاقًا من إيمانها بأن الصحافة لا تكتفي بنقل الخبر، وإنما تضطلع بدور يتجاوز ذلك إلى قراءة الدلالات، وتحليل الأبعاد، واستشراف الآثار، ووضع الأحداث المفصلية أمام القارئ في سياقها السياسي والأمني والاستراتيجي.
ومن مكة المكرمة، حيث شهدت المملكة العربية السعودية توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة وتركيا وباكستان، تفتح الصحيفة هذا الملف الخاص، لتتجاوز حدود الخبر إلى محاولة تفكيك المشهد والإجابة عن أسئلة جوهرية: لماذا جاءت الاتفاقية في هذا التوقيت؟ ولماذا اجتمعت الرياض وأنقرة وإسلام آباد تحديدًا؟ وما الذي يميز كل طرف من عناصر القوة؟ وكيف يمكن أن يتحول اختلاف القدرات إلى منظومة متكاملة تصنع معادلة أمنية جديدة؟
وعبّر سعادة اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي، الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية، عن تقديره لأهمية الاتفاقية، موضحًا أن باكستان تتميز بخبرة عسكرية متقدمة، وقدرات دفاعية راسخة، وكفاءة عالية في مجالات التدريب والتأهيل العسكري، إلى جانب ما تمتلكه من خبرات متراكمة في التعامل مع التحديات الأمنية والدفاعية، مؤكدًا أن حضورها ضمن هذا الإطار يعزز من قوة الشراكة الدفاعية، ويفتح آفاقًا أوسع لتبادل الخبرات والتنسيق الاستراتيجي بين الدول الثلاث
كما أكد رئيس التحرير محمد الفريدي أن مواكبة الصحيفة لهذا الحدث تأتي في إطار مسؤوليتها الوطنية والإعلامية، وحرصها على توثيق المحطات المفصلية التي تشهدها المملكة، مشيرًا إلى أن اتفاقية مكة تستحق أن تُقرأ بما يتجاوز لحظة التوقيع، إلى ما تحمله من دلالات على مستوى العلاقات الدولية والأمن الإقليمي.
فيما نوّهت نائبة رئيس التحرير الأستاذة ابتسام الجبرين بأهمية الحدث، لافتة إلى أن اجتماع المملكة وتركيا وباكستان في إطار دفاعي مشترك يعكس مستوى متقدمًا من التنسيق، ويفتح المجال أمام تعاون يستفيد من تنوع القدرات والخبرات التي تمتلكها الدول الثلاث.
من مكة بدأت الحكاية
في السابع من أغسطس 2026، احتضنت مكة المكرمة توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية.
وتقوم الاتفاقية، وفق ما أُعلن، على مبدأ دفاعي مشترك مفاده أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعًا.
وقد وصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان البند الدفاعي في الاتفاقية بأنه قريب، من الناحية التقنية، من مبدأ الدفاع الجماعي الوارد في المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي، مع التأكيد على أن الاتفاقية ليست موجهة ضد إيران أو أي دولة بعينها.
لكن الاتفاقية لا تُقرأ من نصها فقط.
فالوثائق الاستراتيجية الكبرى تُقرأ كذلك من توقيتها، وأطرافها، وموقعها، والبيئة السياسية والأمنية التي ولدت فيها، والقدرات التي يمكن أن تتكامل بعد التوقيع.
ومن هنا تبدأ أهمية «اتفاقية مكة».
لماذا الآن؟
تأتي الاتفاقية في منطقة تشهد تحولات أمنية وسياسية متسارعة، أصبحت معها التهديدات أكثر تنوعًا من السابق.
الصواريخ والطائرات المسيّرة، أمن المنشآت الحيوية، الممرات البحرية، الطاقة، الأمن السيبراني، الحرب الإلكترونية، وحماية سلاسل الإمداد؛ كلها أصبحت أجزاء من مفهوم الأمن الحديث.
ولم يعد الأمن الوطني مفهومًا عسكريًا ضيقًا.
بل أصبح مرتبطًا بالاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والمعلومات والقدرة على الاستجابة السريعة للأزمات.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور دخيل الله الحارثي أن التحولات الأمنية المتسارعة تدفع الدول إلى تطوير أشكال جديدة من التعاون الدفاعي، تقوم على تنسيق القدرات وتبادل الخبرات، بدل الاقتصار على التعاون العسكري التقليدي.
ولفت إلى أن القيمة الاستراتيجية لأي اتفاق دفاعي تظهر عندما تتحول بنوده إلى إجراءات عملية تعزز الردع، وترفع مستوى التنسيق، وتدعم قدرة الأطراف على التعامل مع التحديات المختلفة.
مكة.. حين يتحول المكان إلى رسالة
اختيار مكة المكرمة لتوقيع الاتفاقية ليس تفصيلًا عابرًا.
فمكة تتمتع بمكانة استثنائية في العالم الإسلامي، الأمر الذي يمنح ارتباط اسمها بالاتفاقية بعدًا رمزيًا وسياسيًا خاصًا.
ونوّه الدكتور عبدالاله جدع إلى أن اختيار مكة يمنح الحدث خصوصية تتجاوز مراسم التوقيع، معتبرًا أن المكان أصبح جزءًا من الرسالة التي يحملها الحدث، خصوصًا أن الاتفاقية تقدم نفسها في إطار الدفاع والتعاون والاستقرار.
فثلاث دول تلتقي في مدينة ذات رمزية إسلامية عالمية، لتعلن عن إطار جديد للتعاون في مجال الأمن والدفاع.
إنها صورة تحمل أكثر من دلالة.
ثلاث دول.. وثلاثة مصادر للقوة
السؤال الأبرز:
لماذا السعودية وتركيا وباكستان؟
الإجابة لا تكمن في تشابه الدول الثلاث، وإنما في اختلاف مصادر القوة بينها.
السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والسياسي والجغرافي.
تركيا تمتلك التكنولوجيا والصناعة الدفاعية والخبرة العملياتية.
باكستان تمتلك العمق العسكري والاستراتيجي والخبرة الدفاعية.
وبذلك فإن المعادلة لا تقوم على تشابه الإمكانات، وإنما على تكاملها.
واعتبر الأستاذ سعود العتيبي أن اجتماع هذه القدرات المختلفة يمثل أحد أبرز عناصر قوة الاتفاقية، موضحًا أن الشراكات الاستراتيجية تكون أكثر تأثيرًا عندما يكمل كل طرف ما لدى الآخر من قدرات وخبرات
السعودية.. ثقل المعادلة
تدخل المملكة العربية السعودية هذه الاتفاقية وهي تحمل مجموعة واسعة من عناصر القوة.
اقتصاد كبير.
موقع جغرافي محوري.
ثقل سياسي إقليمي ودولي.
قدرات عسكرية متقدمة.
موقع على البحر الأحمر والخليج العربي.
دور محوري في أسواق الطاقة.
وتوجه متنامٍ نحو توطين الصناعات العسكرية والتقنيات الدفاعية.
كما تعمل المملكة، في إطار رؤية السعودية 2030، على تطوير قدراتها الصناعية والدفاعية وتعزيز المحتوى المحلي.
وأشار الأستاذ محمد مفرق إلى أن الاتفاقية تأتي ضمن سياق أوسع من التحركات السعودية الرامية إلى تنويع الشراكات الاستراتيجية، معتبرًا أن قوة المملكة لا تقوم على عامل واحد، وإنما على اجتماع الاقتصاد والسياسة والجغرافيا والتكنولوجيا والقدرات الدفاعية.
وبذلك يمكن اختصار القيمة السعودية في المعادلة بكلمة:
الثقل.
⸻
تركيا.. عقل التكنولوجيا الدفاعية
إذا كانت السعودية تقدم الثقل، فإن تركيا تضيف ضلعًا آخر بالغ الأهمية:
التكنولوجيا.
خلال السنوات الماضية، طورت تركيا قاعدة صناعية دفاعية واسعة، وحققت حضورًا في مجالات الطائرات المسيّرة، والصواريخ، والرادارات، والأنظمة الجوية والبرية والبحرية، والإلكترونيات الدفاعية.
كما تمتلك خبرة واسعة في تطوير الأنظمة العسكرية ودمج التكنولوجيا بالعمليات الميدانية.
وبيّن الدكتور سالم بن رزيق أن التجربة التركية في الصناعات الدفاعية تمثل عنصرًا مهمًا في أي تعاون استراتيجي، لافتًا إلى أن القيمة لا تكمن فقط في امتلاك المعدات والمنظومات، وإنما في القدرة على تطويرها وتصنيعها وتوظيفها ضمن منظومة متكاملة.
وهنا يمكن تلخيص القيمة التركية في كلمة:
التكنولوجيا.
باكستان.. العمق العسكري والاستراتيجي
أما باكستان فتقدم ضلعًا مختلفًا في المعادلة.
فهي دولة ذات خبرة عسكرية طويلة، وتمتلك قوة عسكرية كبيرة، إضافة إلى خبرات عملياتية وعلاقات دفاعية تاريخية مع المملكة العربية السعودية.
كما تمتلك باكستان قدرات نووية، وهو عنصر مهم عند قراءة مكانتها الاستراتيجية.
لكن القراءة المهنية تقتضي التمييز بين امتلاك القدرة النووية وبين وجود التزام نووي معلن في الاتفاقية.
فلا ينبغي تحويل امتلاك باكستان للسلاح النووي إلى استنتاج بأن الاتفاقية تنشئ تلقائيًا مظلة نووية للدول الأخرى، ما لم ينص الاتفاق المعلن على ذلك.
وأفادت الدكتورة سارة بنت مرزوق بأن الدور الباكستاني في هذه المعادلة يستند إلى موقع البلاد وخبرتها العسكرية وعلاقاتها الدفاعية، معتبرة أن وجود إسلام آباد يضيف عمقًا استراتيجيًا إلى الإطار الثلاثي.
ومن هنا يمكن تلخيص القيمة الباكستانية بكلمة:
العمق.
ثلاث خرائط تلتقي
السعودية في قلب الخليج والبحر الأحمر.
تركيا عند ملتقى أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
باكستان في جنوب آسيا وعلى مقربة من المحيط الهندي.
هذه الجغرافيا تمنح الشراكة مساحة استراتيجية واسعة.
ولفت الأستاذ رياض الشهري إلى أن الجغرافيا لم تعد مجرد موقع على الخريطة، بل أصبحت مرتبطة بالممرات التجارية والطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد وحركة الاقتصاد العالمي.
ومن هذه الزاوية، فإن اجتماع الدول الثلاث يخلق اتصالًا جغرافيًا يمتد من الخليج والبحر الأحمر إلى الأناضول وجنوب آسيا.
من القوة المنفردة إلى التكامل
القوة العسكرية الحديثة لم تعد تقاس بعدد الطائرات أو حجم الجيوش فقط.
إنها منظومة تضم:
الاستخبارات.
الاستطلاع.
الاتصالات.
الدفاع الجوي.
الأنظمة المسيّرة.
الأمن السيبراني.
الصناعة.
التدريب.
التمارين المشتركة.
وتبادل المعلومات.
وأضاف الدكتور سالم بن رزيق أن القيمة الحقيقية للتعاون الدفاعي تظهر عندما تتكامل هذه العناصر، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة ستكشف مدى قدرة الأطراف الثلاثة على الانتقال من الاتفاق السياسي إلى التعاون العملي.
الردع.. القوة التي تمنع الحرب
الأمن لا يعني خوض الحرب.
في كثير من الأحيان، تكون القيمة الحقيقية للقوة في قدرتها على منع الحرب.
وهنا يأتي مفهوم الردع.
فكلما أدرك الطرف المقابل أن الاعتداء على دولة سيواجه باستجابة جماعية، ارتفعت تكلفة المغامرة.
وأكد الدكتور دخيل الله الحارثي أن الردع الفعال لا تصنعه البيانات السياسية وحدها، وإنما تصنعه القدرة والاستعداد والتنسيق، إلى جانب وجود آليات واضحة لتنفيذ الالتزامات.
وهذا يجعل ما بعد توقيع الاتفاقية أهم من لحظة التوقيع نفسها.
الأمن الحديث.. أبعد من السلاح
وبيّنت الأستاذة موضي العمراني أن مفهوم الأمن في العصر الحديث أصبح أكثر شمولًا، فلم يعد مقتصرًا على حماية الحدود والمنشآت العسكرية، بل امتد إلى أمن المجتمع والطاقة والاقتصاد والبنية التحتية والفضاء الرقمي.
وهذا يفتح أمام الاتفاقية مساحات واسعة للتعاون في مجالات مثل الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والإنذار المبكر، وحماية المنشآت الحيوية.
فالحروب الحديثة قد تبدأ من شاشة، قبل أن تصل إلى السماء أو البحر أو الأرض.
الأمن والاستقرار.. قاعدة البناء الحضاري
وقد أبرز الدكتور مروان المزيني العلاقة بين الأمن والاستقرار من جهة، والنمو الثقافي والحضاري من جهة أخرى، موضحًا أن المجتمعات تحتاج إلى بيئة مستقرة حتى تتمكن من تطوير التعليم والثقافة والفنون والابتكار.
فالأمن لا يحمي الحدود فقط.
بل يحمي البيئة التي ينمو فيها الإنسان.
ومن هنا يصبح الاستقرار أحد الشروط الأساسية لأي مشروع تنموي أو ثقافي طويل المدى.
الإعلام.. من نقل الخبر إلى صناعة الوعي
وقال الأستاذ رياض الشهري إن أهمية التعامل الإعلامي مع اتفاقية مكة تكمن في الانتقال من النقل إلى التفسير، ومن الخبر العاجل إلى القراءة المتأنية.
فالصحافة المهنية لا تكتفي بالإجابة عن سؤال:
ماذا حدث؟
بل تبحث عن إجابات لأسئلة أخرى:
لماذا حدث؟
لماذا الآن؟
لماذا هذه الدول؟
ما الذي يقدمه كل طرف؟
وما النتائج المحتملة؟
وهذا هو المسار الذي تتبناه صحيفة آخر أخبار الأرض الإلكترونية في هذا التحقيق.
الإعلام المسؤول والحدث
وأوضحت الأستاذة أماني الزيدان أن الأحداث الوطنية الكبرى تحتاج إلى معالجة إعلامية واعية، تجمع بين الاعتزاز بالحدث والموضوعية في تحليله، مؤكدة أن الإعلام المسؤول يسهم في بناء وعي مجتمعي قادر على فهم التحولات بدل الاكتفاء بمتابعة عناوينها.
فالتغطية المهنية لا تعني تضخيم الحدث، ولا التقليل من أهميته.
بل تعني وضعه في سياقه الصحيح.
محمد بن سلمان.. قراءة المستقبل
لا يمكن قراءة الاتفاقية بمعزل عن التحولات التي شهدتها السياسة السعودية خلال السنوات الأخيرة.
فالمملكة تتحرك نحو تنويع شراكاتها، وتعزيز قدراتها المحلية، وتوسيع حضورها الاقتصادي والسياسي والتقني، وبناء خيارات استراتيجية متعددة.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى اتفاقية مكة كجزء من فلسفة أوسع تقوم على تنويع مصادر القوة والشراكات.
فالدولة القوية ليست التي تعتمد على خيار واحد.
بل التي تمتلك خيارات متعددة.
وتعرف متى تستخدم كل خيار.
وهنا يظهر البعد الأوسع للسياسة السعودية:
قراءة المستقبل قبل أن يصل.
هل نحن أمام تحالف جديد؟
السؤال مشروع، لكن الإجابة تحتاج إلى قدر من الدقة.
الاتفاقية تحمل مبدأ للدفاع المشترك، لكن ذلك لا يعني أنها نسخة من حلف شمال الأطلسي، ولا يعني بالضرورة أنها أصبحت تحالفًا مؤسسيًا كاملًا بالمعنى المعروف للتحالفات العسكرية الكبرى.
ورأت الدكتورة سارة بنت مرزوق أن تقييم طبيعة الاتفاقية يجب أن يرتبط بما سيأتي بعدها من آليات تنفيذ ومؤسسات وبرامج تعاون، مشيرة إلى أن المستقبل هو الذي سيحدد مدى تطور هذا الإطار الثلاثي.
ولهذا فإن الوصف الأكثر تحفظًا ودقة هو:
إطار دفاعي ثلاثي قابل للتطور.
ماذا بعد التوقيع؟
هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
هل ستتبع الاتفاقية تدريبات عسكرية مشتركة؟
هل يتوسع تبادل المعلومات؟
هل تتطور الصناعات الدفاعية المشتركة؟
هل تنشأ برامج تقنية مشتركة؟
هل يتعزز التعاون في الأمن السيبراني؟
هل تتطور منظومات الدفاع الجوي والصاروخي؟
هل تتشكل آليات دائمة للتنسيق؟
وأكد الأستاذ سعود العتيبي أن قيمة الاتفاقية ستظهر في قدرتها على الانتقال من الوثيقة إلى التطبيق، موضحًا أن بناء الثقة والتنسيق المستمر والتعاون العملي هي العناصر التي تمنح أي شراكة دفاعية القدرة على الاستمرار.
الاقتصاد.. الضلع غير المرئي
رغم أن عنوان الاتفاقية عسكري، فإن الاقتصاد قد يكون أحد أهم مساراتها المستقبلية.
الصناعة الدفاعية تحتاج إلى استثمارات.
والتكنولوجيا تحتاج إلى أسواق.
والتصنيع المشترك يحتاج إلى سلاسل إمداد.
والبحث والتطوير يحتاج إلى تمويل وخبرات.
وأشار الأستاذ محمد مفرق إلى أن هذا الجانب يكتسب أهمية خاصة بالنسبة للمملكة، في ظل توجهها نحو توطين الصناعات وتعزيز المحتوى المحلي وبناء قاعدة اقتصادية وتقنية أكثر تنوعًا.
الثقافة والاستقرار.. وجه آخر للاتفاقية
وفي قراءة للبعد الإنساني والثقافي، ذكر الدكتور مروان المزيني أن الاستقرار يمثل الأرضية التي يمكن أن تزدهر فوقها المشاريع الثقافية والفنية والتعليمية، مؤكدًا أن حماية المجتمع ومقدراته تتيح له مواصلة البناء والتطور.
وبذلك يصبح الدفاع عن الاستقرار جزءًا من حماية المشروع الحضاري نفسه.
ثلاث قوى.. ومعادلة واحدة
عندما نضع عناصر القوة الثلاثة إلى جانب بعضها، تتضح الصورة:
السعودية:
الثقل الاقتصادي والسياسي والجغرافي.
تركيا:
التكنولوجيا والصناعة الدفاعية والخبرة العملياتية.
باكستان:
العمق العسكري والاستراتيجي والخبرة الدفاعية.
ثلاث قوى.
ثلاثة مصادر للقوة.
ثلاثة مواقع جغرافية.
لكن هدفًا واحدًا معلنًا:
الدفاع المشترك والردع المشترك.
وهنا تكمن الفكرة الأهم في اتفاقية مكة:
القوة ليست دائمًا في أن تمتلك الدولة كل شيء، وإنما في أن تعرف كيف تتكامل مع من يمتلك ما تحتاج إليه.
اخيرا مكة تكتب فصلًا جديدًا
اتفاقية مكة ليست مجرد صورة توقيع
وليست خبرًا ينتهي بانتهاء مراسم التوقيع.
إنها محطة استراتيجية تستحق القراءة من أكثر من زاوية، لأنها تجمع ثلاث دول تمتلك كل واحدة منها مصدرًا مختلفًا من مصادر القوة.
السعودية بثقلها.
تركيا بتكنولوجيتها.
باكستان بعمقها العسكري والاستراتيجي.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد التوقيع.
فالوثيقة وحدها لا تصنع القوة.
والبيان وحده لا يصنع الردع.
وما سيمنح الاتفاقية وزنها الحقيقي هو ما سيأتي بعدها: تدريبات مشتركة، وتبادل خبرات، وتعاون صناعي، وشراكات تقنية، وتنسيق أمني، وبناء مؤسسات وآليات قادرة على تحويل الإرادة السياسية إلى قدرة عملية.
لقد اختارت الدول الثلاث مكة المكرمة لتوقيع الاتفاقية، فأصبح المكان جزءًا من ذاكرة الحدث.
ومن مكة، وُضع حجر جديد في بناء شراكة دفاعية ثلاثية.
ويبقى المستقبل وحده كفيلًا بالإجابة عن السؤال الأكبر:
هل كانت اتفاقية مكة مجرد اتفاق للدفاع المشترك.. أم أنها بداية لمعـادلة استراتيجية أوسع




