في ظلال المسرح

مسرح مِرآد… مسرح الأفق

مسرح مِرآد… مسرح الأفق

لم تأتِ مِرآد إلى المسرح لتؤدي دورًا، بل لتسأل عن الدور الذي يستطيع المسرح أن يؤديه في الإنسان.

شخصية مسرحية صنعت شهرتها من رؤية تتجاوز العرض إلى فلسفته، وتستمد من الإرث الشكسبيري عمقه الإنساني، ثم تقرؤه من نافذة هذا العصر؛ فلا تجعل القديم نقيضًا للجديد، وإنما ترى أن التليد جذر، والمعاصر امتداد، والمستقبل أفق.

وتقف مِرآد طويلًا عند العبارة المتداولة والمنسوبة إلى شكسبير:

“Give me a theatre, and I will give you an enlightened people.”

«أعطني مسرحًا، أعطك شعبًا مثقفًا.»

لا تمر مِرآد على المقولة بوصفها عبارةً مأثورة، ولا تكتفي بترجمتها الحرفية؛ بل تمضي إلى ما وراءها، نحو المعنى الذي يجعل من الثقافة حياةً لا معرفةً ساكنة.

فالثقافة عندها أوسع من بيتٍ يسكنه الإنسان بين نص يقرؤه، وأسطر يكتبها، وموهبة تنتظر أن تُبعث إلى الحياة. إنها وعيٌ يجد طريقه إلى الواقع، وعينٌ ترى أبعد من محيطها، نحو النافع والمختلف وما لم يُكتشف بعد.

ولابد أن نؤمن بأن المسرح قادرٌ على أن يوقظ الموهبة من صمتها؛ فتغدو الكلمة مشهدًا، والرؤية حدثًا، والخيال تحليقًا خارج المألوف.

ومن هنا تقرأ مِرآد المقولة بلغتها:

أعطني مسرحًا…
أعطك عقلًا يفكر ويُنتج،
ومبدعًا يدهش ببراعته،
وموهبةً تجد طريقها إلى الأضواء،
وخيالًا يجوب محطات الحياة،
وجيلًا لا يرث المشهد… بل يعيد صناعته.

هنا يولد مسرح مِرآد… مسرح الأفق.

والأفق ليس استعارةً تزيّن اسمه، بل فلسفته؛ فكلما حسبناه نهايةً كشف لنا مدىً آخر. وكذلك المسرح: سؤالٌ يفتح سؤالًا، وتجربةٌ تلد احتمالًا، وستارٌ قد يخفي وراءه بدايةً جديدة.

ومن هنا يمتد الخيط بين شكسبير ومِرآد.

قرأ شكسبير الإنسان في صراعاته وحبه وطموحه، وجعل الخشبة مرآةً للطبيعة البشرية. أما مِرآد، ابنة زمنها، فلا تكرر صورة المرآة، بل تديرها نحو المستقبل وتسأل:

ماذا يمكن أن تهب الحياة للمسرح، وماذا يستطيع المسرح أن يهب الإنسان؟
وأي فكرٍ وأدبٍ وجمال يمكن أن يولد من مشهدٍ يستلهم الحياة، ثم يعيد إليها رؤيته؟

هنا تتجلى فلسفتها: المسرح لا يمثل الحياة فحسب، بل يحاورها ويشارك في تشكيلها.

ولهذا تفتح مِرآد مسرحها للمواهب، ليقف أصحابها تحت وهج الأضواء، ويكتشفوا قدراتهم، ويظهروا براعتهم، ويصقلوا مواهبهم وينمّوا فكرهم؛ فالجيل الجديد ليس متفرجًا على تاريخ المسرح، بل شريكٌ في كتابة مستقبله.

أما أصدقاء مسرح مِرآد، فليسوا أسماءً تصطف حول بطلة الحكاية؛ إنهم صُنّاع أفقها. لكل منهم صوته وفكرته وشغفه، وما يصنعونه لا يتوقف عند زمن العرض، بل يمتد إلى الأثر.

لهذا لا يحصر مسرح مِرآد نفسه بين ملهاة ومأساة، ولا يرى في إسدال الستار نهايةً للحكاية.

إنه مسرح للحياة.

فالناس يعبرون أيامهم حاملين رواياتهم على عاتقهم؛ حقيقةً عاشوها، وخيالًا استوحوه، وحلمًا ينتظرونه، وربما قناعًا يتقمصونه ليكشفوا من خلفه ما تعجز وجوههم عن قوله.

فقد نحتاج إلى قناعٍ على الخشبة لنكون أكثر صدقًا أمام الحياة.

وعلى هذا النحو تقرأ مِرآد الإرث الشكسبيري: لا ماضيًا يُقلَّد، ولا سلطةً ينبغي تجاوزها، بل حوارًا مفتوحًا بين زمنين؛ تأخذ من الماضي جذوره، ومن الحاضر أدواته، وتترك للآتي حقه في الابتكار.

وحين تقف مِرآد في آخر المسرح، لا تسأل:

متى يُسدل الستار؟

بل:

إلى أي مدى بلغ الفكر غايته، وماذا أضافت هذه الساحة إلى الإنسان؟

ثم تنظر إلى الخط البعيد الذي تراه العين نهايةً، بينما تراه هي بداية.

هناك يكمن الأفق.

فليس خلود المسرح في أن يبقى العرض،
بل في أن يبقى شيءٌ منه في الإنسان.

ذلك هو مسرح مِرآد… مسرح الأفق؛

بقلم / أماني سعد الزيدان

 

 

اماني سعد الزيدان

كاتبة رأي ورواية مسرحية ومشرفة على في ظلال المشهد المسرحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.