كُتاب الرأي

الأيادي الآثمة تصل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الأيادي الآثمة تصل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

رؤية تحليلية عسكرية .

الخميس الموافق ( 1 ) أكتوبر ( 2026 )م .

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

( ليست خطورة المسيرة فيما تحمله من متفجرات فحسب ، بل في القرار الذي أطلقها ، والهدف الذي اختاره ، والحرمة التي تجرأ على انتهاكها . )

لم يكن الهجوم الإرهابي بطائرة مسيرة على محطة ( طيبة ) لتوزيع الكهرباء في المدينة المنورة حادثا عابرا يمكن اختزاله في محول خرج من الخدمة . فحين تصل أداة العدوان إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتستهدف عينا مدنية تقدم الخدمات الكهربائية للمسجد النبوي الشريف ، فإن القضية تصبح أكبر من مقدار الضرر المادي ، وأخطر من حطام مسيرة انتهى على الأرض .

والحقيقة هنا يجب أن تقال قوية واضحة بلا مواربة : بحسب ما أعلنته الجهات المختصة ، أثبتت نتائج التحقيق والاستدلال تورط الميليشيا الحوثية الإرهابية في التخطيط والتنفيذ ، استنادا إلى المراجعة العملياتية وبقايا حطام المسيرة المستخدمة .

إذن لسنا أمام ظن يبحث عن دليل ، ولا اتهام سياسي أطلق في ساعة غضب ؛ بل أمام نتيجة تحقيق واستدلال أعلنتها الجهات المختصة بعد فحص المعطيات المادية والعملياتية .

أما إنكار الحوثيين وتنصلهم من مسؤوليتهم بعد ذلك ، فلا يمحو ما انتهت إليه التحقيقات المعلنة ، ولا يغير من جسامة أن أداة عدوان وصلت إلى طيبة الطيبة واستهدفت منشأة مدنية تقدم خدماتها الكهربائية للمسجد النبوي الشريف .

وأي يد آثمة هذه التي تجرأ عدوانها حتى بلغ مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وأي نهج يقبل أن تكون منشأة مدنية مرتبطة بخدمة المسجد النبوي الشريف في دائرة الاستهداف ؟ وأي بطولة زائفة يمكن أن يصنعها استهداف محطة كهرباء مدنية في طيبة ؟

وبحسب ما أثبتته نتائج التحقيق والاستدلال المعلنة ، فإن الحوثيين تورطوا في التخطيط لهذا الهجوم وتنفيذه ضد عين مدنية في واحدة من أقدس مدن المسلمين . فلا بطولة في استهداف عين مدنية ، ولا نصر عسكريا في تهديد مرفق يقدم خدماته للمسجد النبوي الشريف ، ولا يمكن لشعارات الحرب أن تغير طبيعة الفعل أو تمحو مسؤوليته .

القرار أخطر من المسيرة .

فالمسيرة لا تعرف المدينة المنورة ، ولا تدرك حرمة المسجد النبوي الشريف ، ولا تنتقي محطة الكهرباء ، ولا تحدد ساعة الهجوم من تلقاء نفسها . خلفها عقل خطط ، وقدرة جهزت ، وقرار صدر ، وسلاح انطلق .

ولهذا فإن حطام المسيرة ليس نهاية القضية ، بل بداية الأسئلة الثقيلة : من بنى هذه القدرة ؟ ومن طورها ؟ ومن وفر المعرفة والتقنية والخبرة التي مكنتها من بلوغ هذا العمق ؟ ومن يقف خلف استمرار امتلاك الحوثيين أدوات الهجوم بعيدة المدى ؟

والأخطر استراتيجيا أن تمكن وسيلة هجومية من بلوغ هذا العمق ، بصرف النظر عن محدودية الأثر الذي أحدثته ، يجعل منع التكرار جزءا من معادلة الردع نفسها ؛ فالردع لا يقاس بعدد وسائل الهجوم التي أسقطت فحسب ، بل بقدرة المنظومة الدفاعية على حرمان الخصم من الاعتقاد بإمكان تكرار المحاولة .

والجهات التي تدعم قدرات الحوثيين بالتسليح والتقنية والخبرة لا يمكن فصل إسهامها في بناء تلك القدرات الهجومية عن الصورة الاستراتيجية الأوسع للصراع . أما إثبات من أصدر أمر هذه العملية تحديدا ، فالحق أحق أن يتبع ، ويظل الحكم فيه لما تكشفه الأدلة والتحقيقات الرسمية .

والاستنكار لم يعد محصورا داخل المملكة .

فقد اتسعت دائرة الإدانات في المحيط العربي والإسلامي ، وصدرت مواقف من دول وهيئات ومنظمات إسلامية وإقليمية ، رفضا للاعتداءات التي تمس حرمة المقدسات وتهدد الأعيان المدنية وتستفز مشاعر المسلمين .

فالمدينة المنورة ليست نقطة على خريطة عسكرية ، والمسجد النبوي الشريف ليس معلما عاديا في وجدان المسلمين . إنها مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومهوى أفئدة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها .

ولذلك فإن وصول العدوان إلى منشأة مدنية تقدم الخدمات الكهربائية للمسجد النبوي الشريف يخرج القضية من حدود الحساب العسكري الضيق إلى فضاء إسلامي واسع . فما يمس طيبة يمس مكانا مقدسا في ضمير الأمة ، وما يهدد الخدمات المرتبطة بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقرأ كأنه حادث أمني عابر .

وطبيعة الهدف تضاعف جسامة العدوان .

فالطاقة الكهربائية من الأعيان المدنية الحيوية ، وحين تكون المنشأة المستهدفة تقدم خدماتها الكهربائية للمسجد النبوي الشريف ، فإن جسامة الفعل تتجاوز مقدار الضرر المادي إلى دلالات دينية وأمنية وإنسانية بالغة الخطورة .

إن حرمة طيبة ليست ميدانا للمغامرة العسكرية ، وخدمة المسجد النبوي الشريف ليست مجالا لاستعراض القدرة على الوصول . ومن يشارك في التخطيط والتنفيذ لعدوان يبلغ هذا المكان يتحمل مسؤولية فعله وخطورته وما يحمله من استفزاز لمشاعر المسلمين .

ومحدودية الضرر لا تعني محدودية الدلالة .

تعطل محول ولم تتأثر الشبكة الكهربائية ، لكن الحساب العسكري لا يقف عند نتيجة الانفجار . الأخطر هو القدرة على الوصول ، والمسار الذي سلكته المسيرة ، والتخطيط الذي سبق إطلاقها ، وإمكان محاولة تكرار الهجوم بأساليب ومسارات مختلفة .

والسؤال الحقيقي ليس : ماذا دمرت المسيرة ؟ بل : كيف وصلت ؟ وكيف يمكن منع تكرار وصول مثلها ؟

والاستنتاج الأهم : أن الميليشيا الحوثية الإرهابية ، وفق ما أعلنته الجهات المختصة عن ثبوت تورطها في التخطيط والتنفيذ ، تجاوزت بهذا العدوان خطا بالغ الحساسية في وجدان المسلمين .

لقد امتد عدوان الأيادي الآثمة حتى بلغ مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا ليس موضعا للمساومة في الألفاظ أو التخفيف من جسامة الفعل ؛ فبحسب نتائج التحقيق والاستدلال المعلنة ، ثبت تورط الحوثيين في التخطيط والتنفيذ ، واستهدفت أداة عدوانهم عينا مدنية تقدم الخدمات الكهربائية للمسجد النبوي الشريف .

وهنا تستحق الميليشيا الحوثية الإرهابية إدانة صريحة لا لبس فيها . فاستهداف الأعيان المدنية ليس بطولة ، وتهديد المرافق المرتبطة بخدمة المسجد النبوي الشريف ليس نصرا ، والوصول بأداة حرب إلى طيبة ليس إنجازا عسكريا يفاخر به ؛ بل فعل مدان يكشف خطورة النهج الذي سمح بالتخطيط لهذا العدوان وتنفيذه .

وليصدر الحوثيون ما يشاؤون من بيانات النفي والتنصل ؛ فالإنكار لا يغير ما أعلنته الجهات المختصة من نتائج تحقيق واستدلال نسبت إليهم التخطيط والتنفيذ .

لقد تعطل محول ، ولم تتأثر الشبكة الكهربائية ، وبقيت طيبة آمنة مطمئنة بإذن الله .

أما العار ، ففي فعل من خطط لهذا العدوان ونفذه ، وفي كل يد أسهمت في بناء القدرة التي حملته حتى طيبة . فالحق أحق أن يتبع ، والإنكار لا يسقط حقيقة أثبتتها نتائج التحقيق والاستدلال .

( وحماية المقدسات لا تبدأ عند أسوارها ، بل بكشف اليد التي تمتد إليها ، والعقل الذي يخطط ، والقدرة التي تحمل العدوان حتى أبوابها . )

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.