شدوا الوثاق …

شدوا الوثاق …
رؤية تحليلية عسكرية .
الخميس الموافق ( 1 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( عندما يتوقف اندفاع الخصم ، لا يعود السؤال أين وصل؟ بل : هل ما زال قادرا على الاحتفاظ بالمبادأة ، وإعادة تنظيم قوته ، وتأمين إمداده ، ومواصلة القتال؟ وهنا يتجسد معنى : شدوا الوثاق . )
التطور الأهم في القتال الدائر بين غرب تعز ولحج ليس في عدد الاشتباكات أو الضربات ، وإنما في (طبيعة المرحلة التي بدأت المعركة تدخلها ) .
فبعد ضغط حوثي متواصل على عدد من المحاور ، واشتباكات على الأرض الحاكمة في الوازعية والمضاربة ، برز تطور مختلف تمثل في صد هجمات على جبهات طور الباحة ، بالتزامن مع بدء تحرك حكومي مضاد في جبهة المنصورة بعد وصول تعزيزات .
هذه الوقائع لا تعني أن ميزان المعركة انقلب ، ولا أن المبادأة انتقلت نهائيا . لكنها تضع القتال أمام عتبة تحول عملياتي تستحق القراءة .
فالخصم المهاجم يحتفظ بالمبادأة ما دام هو الذي يحدد مكان الضغط وتوقيته ويجبر الطرف الآخر على الاستجابة لتحركاته . لكن المعادلة تبدأ بالتغير عندما يتوقف الاختراق ، وتظهر تحركات مضادة ، وتضطر القوة المهاجمة إلى تخصيص جزء من جهدها لحماية ما كسبته .
وهذا هو الاختبار الحقيقي لما يجري اليوم .
فإذا اضطرت عصابة الحوثيين الأرهابيين إلى تحويل جزء من مجموعاتهم من الهجوم إلى تثبيت المواقع التي سيطروا عليها ، فإن جزءا من طاقتهم القتالية ينتقل من التوسع إلى الحماية . وعندها تصبح طرق الإمداد أكثر حساسية ، ويزداد الاعتماد على الاحتياط ، ويتحول الاحتفاظ بالأرض من مكسب جغرافي إلى التزام عسكري مستمر .
وتظهر هنا قيمة الأرض الحاكمة .
فالمرتفعات في هذا القطاع لا تقاس بمساحتها ، وإنما بما تمنحه من إشراف على الطرق والمحاور وكشف الحركة . ولهذا قد تكون الآثار العملياتية لانتقال جبل أو عقبة من طرف إلى آخر أكبر من مساحة الموقع نفسه ، خصوصا عندما يتحكم بطريق إمداد أو محور حركة نحو المضاربة وكهبوب والساحل .
وتأتي القيادة والسيطرة والإتصالات في قلب هذه المعادلة .
فتعدد الهجمات الحوثية على محاور متباعدة قد يعكس محاولة لتوسيع الضغط ومنع القوات الحكومية من تركيز جهدها في اتجاه واحد . لكن اتساع الجبهة يرفع في المقابل متطلبات الاتصال والتنسيق والإمداد والاحتياط ، ويجعل المحافظة على التزامن بين المحاور أكثر صعوبة كلما طال أمد القتال .
وهنا تظهر مفارقة عسكرية مهمة : اتساع الهجوم قد يمنح القوة زخما في بدايته ، لكنه قد يتحول إلى استنزاف عندما يتوقف التقدم وتزداد كلفة الاحتفاظ بالأرض .
ولا ينفصل عن ذلك البعد الإيراني .
فقد وثقت تقارير أممية ودولية خلال سنوات وصول أسلحة ومكونات وتقنيات ذات منشأ إيراني إلى الحوثيين . وفي التطورات الأخيرة أعلنت القوات الحكومية استهداف منظومة دفاع جوي متحركة في المخا ، وقالت إن تطويرها جرى بمساعدة خبراء من الحرس الثوري الإيراني . وتبقى هذه الجزئية الأخيرة رواية عسكرية يمنية معلنة ما لم يؤكدها مصدر مستقل .
لكن الدلالة العسكرية أوسع من هوية الخبير أو نوع المنظومة . فالدعم الخارجي مهما بلغت نوعيته لا يعمل في فراغ ؛ وإنما تتحدد قيمته بسلامة القيادة والسيطرة والإتصالات، واستمرار الإمداد ، وقدرة الوحدات المستفيدة منه على الحركة والبقاء والعمل تحت الضغط .
ومن هنا تكتسب التحركات المضادة أهميتها . فقيمتها لا تقاس باستعادة موقع منفرد فقط ، وإنما بقدرتها على تغيير العلاقة بين الفعل ورد الفعل . فإذا أصبح الطرف الذي كان يمتص الهجوم قادرا على فرض ضغط يدفع خصمه إلى تحريك احتياطه وإعادة توزيع قواته وحماية طرقه ، فإن العلاقة العملياتية بين الطرفين تكون قد بدأت بالتغير حتى قبل ظهور تحول واسع على الخريطة .
لكن الحرب لا تقرأ بالرغبات ، بل بما يثبت على الأرض .
وحتى كتابة هذه الرؤية ، لا توجد معلومات يمنية حكومية تسمح بالقول إن القوات الحكومية استعادت المنصورة والبازلة بصورة نهائية . والثابت هو بدء تحرك مضاد واشتداد القتال ، فيما لا تزال حدود السيطرة النهائية قيد التشكل .
ولهذا فإن القراءة الأدق لا تتوقف عند عدد الضربات ، بل تراقب سلوك القوة على الأرض : هل يتباطأ تقدمها؟ هل تعيد توزيع قواتها؟ هل تضطر إلى نقل احتياطها؟ هل تتأثر طرق إمدادها؟ وهل تتحول مواقع كانت منطلقا للهجوم إلى مواقع تحتاج إلى الدفاع؟
وفي المقابل ، تبرز دلالة مهمة وسط تفاصيل المواقع والأرقام ؛ وهي تماسك القوات المسلحة اليمنية والتشكيلات المساندة والقبائل المناصرة لها أمام ضغط متواصل على جبهات متعددة . فصد الهجمات ، ومنع الاختراق ، وبقاء القدرة على التحرك المضاد ، تعني أن القوة ما زالت محتفظة بقدرتها على الفعل ، وأن خسارة موقع في معركة متحركة لا تعني خسارة الجبهة أو انتهاء القدرة على استعادته .
وفي الحرب تتغذى المعنويات من الوقائع أكثر مما تتغذى من الكلمات ؛ فعندما يصمد المقاتل في موقعه ، ويرى الجبهة إلى جواره متماسكة ، ويشاهد الهجوم الذي اندفع نحوه يتوقف ، ثم يرى قواته قادرة على الانتقال مجددا إلى التحرك المضاد ، فإن لذلك أثرا يتجاوز الموقع نفسه إلى الثقة بالقوة وبقدرتها على مواصلة القتال .
وهذه إحدى الدلالات المهمة لما يجري اليوم : قيمة أداء القوات المسلحة اليمنية لا تقاس فقط بقدرتها على الثبات والدفاع ، بل كذلك بقدرتها على استعادة الفعل بعد امتصاص الهجوم . أما الحكم على انتقال المبادأة بصورة كاملة ، فسيبقى مرهونا بما تثبته الأرض .
أما مأرب والجوف ، فلا تظهر حتى الآن مؤشرات يمنية معلنة على تغير كبير جديد في خطوط السيطرة يوازي ما يحدث غرب تعز ولحج . ولذلك تتركز القراءة الحالية على القطاع الممتد بين الوازعية والمضاربة وطور الباحة وكهبوب ، لارتباطه بشبكة الطرق والأرض الحاكمة والمحاور المتصلة بالساحل وباب المندب .
شدوا الوثاق …
ليس وصفا لمطاردة الخصم ، ولا إعلانا لنصر قبل اكتماله . إنه توصيف لمرحلة يصبح فيها السؤال العسكري الأهم : هل يستطيع الطرف الذي اندفع إلى الأمام المحافظة على زخمه ، أم أن اتساع الجبهة وكلفة الاحتفاظ بالأرض ومتطلبات الإمداد والاحتياط بدأت تحول مكاسبه إلى عبء؟
وعندما تجتمع مؤشرات توقف الاختراق ، واضطرار القوة المهاجمة إلى حماية مكاسبها ، وارتفاع حاجتها إلى الاحتياط والإمداد ، فإن التحول يصبح أبعد من انتقال موقع أو مرتفع ؛ إذ ينتقل عبء المحافظة على الأرض إلى القوة التي تقدمت إليها ، وتظهر في المقابل مؤشرات أولية على إمكان تحرك المبادأة في الاتجاه الآخر .
ولا يقرأ النصر قبل اكتماله … فالمعارك لا تحسم بمن تقدم أولا ، وإنما بمن احتفظ بحرية الحركة وتماسك القيادة والسيطرة والإتصالات واستمرار الإمداد ، وحول نتائج القتال إلى واقع ثابت على الأرض . وهنا يكتمل معنى : شدوا الوثاق .

