كُتاب الرأي

غرة أكتوبر وحال التعاون الحوثي مع النظام الإيراني .

غرة أكتوبر وحال التعاون الحوثي مع النظام الإيراني .

رؤية تحليلية عسكرية .

الخميس الموافق  غرة  أكتوبر  2026 م .

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

 أخطر مراحل الدعم العسكري ليست عندما يصل السلاح إلى الحليف ، بل عندما تلتقي الخبرة والمعلومة والتوجيه والسلاح في ميدان واحد ، وتصبح الجبهة المحلية جزءاً من حسابات حرب إقليمية أوسع .

في غرة أكتوبر لم يعد السؤال العسكري الأهم : هل يدعم النظام الإيراني الحوثيين الإرهابيين ؟ فأصل الدعم العسكري والفني موثق منذ سنوات . السؤال الأهم اليوم هو :  إلى أي مدى بلغ التعاون الميداني بينهما ، وماذا أضاف إلى قدرة العصابة الحوثية ، وما أثره في المواجهة الإقليمية الدائرة الآن ؟

المعلومات المنشورة في المصادر الإعلامية  المفتوحة  خلال الأسابيع الأخيرة تشير إلى مستوى يتجاوز نقل السلاح التقليدي . فقد نقلت رويترز عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية أن الحرس الثوري الإيراني قدم توجيهاً ومشورة للحملة الحوثية الأخيرة على الساحل الغربي ، مع حديث عن تمويل وسلاح وخبرات وضباط ، وانتقال قيادات إيرانية إلى اليمن للمساعدة في الإشراف على بعض العمليات . وهي معلومات مهمة ، لكنها تظل منسوبة إلى مصادر ، فيما تنفي طهران علناً أنها توجه الحوثيين عسكرياً .

 والأهم عسكرياً ليس وجود المستشار في حد ذاته ، بل ما يمكن أن يضيفه إلى دورة العمل العملياتي .

فالقوة التي تمتلك الصاروخ أو المسيرة شيء ، والقوة التي تستطيع ربط الاستطلاع بالمعلومة ، والمعلومة بالهدف ، والهدف بالسلاح المناسب ، ثم اختيار توقيت الاستخدام شيء آخر . وهنا يصبح قياس  التعاون الإيراني الحوثي  مرتبطاً بمدى ظهور هذا التكامل في الميدان ، لا بمجرد معرفة مصدر السلاح .

وقد وثقت تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة اعتماد القدرات الحوثية المعقدة على دعم خارجي ، وأشارت إلى أن الحوثيين لا يملكون ، دون ذلك الدعم ، القدرة على تطوير وإنتاج طيف من منظومات السلاح المعقدة ، كما سجلت أوجه تشابه بين عدد من المنظومات الحوثية ونظيراتها الإيرانية ، واحتمال انتقال المعرفة الفنية والمكونات اللازمة للتصنيع والتجميع . فيما أصبحت الترسانة الحوثية تضم صواريخ باليستية وجوالة مضادة للسفن ، ومسيرات هجومية واستطلاعية ، ووسائط بحرية غير مأهولة ، إلى جانب وسائل الرصد والاستهداف .

 والاستنتاج هنا أن المسألة لم تعد كمية السلاح الذي يصل إلى الحوثيين ، بل نوع العلاقة التي تربط السلاح بالمعلومة والخبرة والتوقيت .

كما أن التعاون لا يبدو محصوراً في خط  إيران ـ اليمن  . فقد وثق فريق خبراء الأمم المتحدة تلقي عناصر حوثية تدريباً في العراق ، ونقل خبرات وتكنولوجيا عسكرية ، كما سجل تنسيق عمليات مشتركة بين الحوثيين وجماعات عراقية مسلحة ، فيما تحدثت مصادر إقليمية عن مستويات أحدث من التنسيق العملياتي .

وهنا يبرز خطر سياسة هجومية إيرانية اعتمدت على بناء علاقات عسكرية وأمنية مع جماعات وميليشيات مسلحة خارج مؤسسات الدول . فالعراق دولة ذات سيادة ، واليمن دولة ذات سيادة ، وكلما امتلكت جماعة إرهابية مسلحة قراراً عسكرياً مستقلاً عن مؤسسات الدولة ازدادت قدرتها على جر الدولة وشعبها إلى مواجهة لم تتخذ مؤسساتها الشرعية قرارها بها .

وتشير هذه المعطيات إلى ملامح  شبكة تعاون عسكري متعددة الجبهات  . ولا يعني ذلك وجود قيادة عملياتية واحدة ، لكنه يعني إمكان انتقال الخبرة وتراكم آثار العمليات في أكثر من ساحة خلال فترة متقاربة .

 وهنا تظهر إحدى أهم خلاصات التقدير العسكري : الفارق بين  وحدة القيادة  و وحدة الأثر  .

فقد تتعدد غرف القيادة ومصادر القرار ، بينما تتجمع النتائج في اتجاه استراتيجي واحد يضاعف الضغط على الخصم . فليس ضرورياً أن تتحرك جميع الأطراف بأمر واحد حتى تنتج عملياتها أثراً استراتيجياً متراكماً . وإذا تعرضت الملاحة أو المصالح والبنى الاقتصادية للضغط في أكثر من جبهة ، فإن تعدد مصادر التهديد يفرض توزيعاً أوسع لجهود الإنذار والمراقبة والدفاع والحماية .

 وهذه إحدى أخطر نتائج التعاون الميداني الراهن : توزيع الضغط بدلاً من حصره في جبهة واحدة .

لكن العامل الذي يمنح عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة وزناً استراتيجياً خاصاً في هذه المعادلة هو الجغرافيا .

فالساحل الغربي اليمني يمتد باتجاه باب المندب ، وباب المندب بوابة البحر الأحمر والطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس . وفي الطرف الآخر تقف إيران عند مضيق هرمز ، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم .

ولا يوجد دليل علني قاطع حتى الآن على وجود قيادة واحدة تدير الضغط على الممرين . لكن التحليل العسكري لا يستطيع تجاهل النتيجة إذا تعرضا للضغط في توقيت متقارب :

 هرمز يضغط على الطاقة ، وباب المندب يضغط على التجارة والملاحة ، واجتماع الضغط عليهما يوسع أثر الحرب إلى الاقتصاد الدولي .

أما التطور الأحدث ، فهو ما نقلته رويترز في غرة أكتوبر عن مسؤولين إيرانيين بشأن مراجعة طهران خططاً لرد أشد وأوسع إذا استؤنف الهجوم الأمريكي واسع النطاق ، وأن جماعات حليفة لها في اليمن والعراق ولبنان طُلب منها الاستعداد لدعم إيران في حال تجدد ذلك الهجوم .

إذا انعكس ذلك فعلياً في الميدان ، فإن التقدير ينتقل من الدعم أثناء القتال إلى  الاستعداد المسبق لجولة إقليمية محتملة  .

وهذا هو جوهر الاعتراض على سياسة الأذرع الإرهابية المسلحة : أن قراراً يتخذ في عاصمة يمكن أن يشعل جبهة في دولة أخرى ، بينما يدفع المدنيون والدول واقتصاداتها ثمن قرار لم تتخذه .

وعندئذ تصبح  مراقبة السلوك أهم من متابعة التصريحات  . فالمؤشرات ستكون في طبيعة التحركات على الساحل الغربي ، ونشاط الاستطلاع ، وأنماط استخدام المسيرات والصواريخ والوسائط البحرية ، واختيار الأهداف ، وما قد يظهر من تبادل للمعلومات ، ثم توقيت العمليات ومدى تزامنها مع الجبهات الأخرى .

والتزامن وحده لا يثبت وحدة القيادة والسيطرة . لكنه إذا اجتمع مع المشورة والتسليح وتبادل الخبرة والمعلومات والاستعداد المسبق ، فإنه يرفع مستوى الدلالة على  وجود تعاون عملياتي أكثر تقدماً  .

والمفارقة أن ذلك يجري بينما تفاوض طهران واشنطن عبر الوسطاء .

 تفاوض بيد ، وتبقي أدوات القوة في اليد الأخرى .

فطهران تسعى إلى مكاسب في مسار التفاوض ، فيما تحتفظ بعلاقاتها مع حلفائها الإقليميين وقدراتهم بوصفها عناصر قوة في معادلة الصراع . وهنا يصبح الحكم على سياستها مرتبطاً بما يحدث على الأرض بقدر ارتباطه بما يقال على طاولة التفاوض .

وأمام هذا النوع من التعاون التخريبي ، تبرز أولوية  بناء صورة موقف إقليمية مشتركة  تربط مؤشرات اليمن والعراق ولبنان والخليج ، وتعزيز تبادل المعلومات والإنذار المبكر ، وحماية الملاحة والمنشآت المدنية والاقتصادية ، ومتابعة شبكات نقل السلاح والمكونات والتمويل بالوسائل القانونية والدبلوماسية والأمنية المتاحة .

كما تبرز أهمية حماية حرية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر ، وتطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة ، وتعزيز سلطة مؤسسات الدول على قرار الحرب والسلم والسلاح ، حتى لا تتحول أراضيها إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية .

 وغرة أكتوبر لا تكشف مجرد استمرار الدعم الإيراني للحوثيين ، بل تطرح احتمال انتقال العلاقة إلى مستوى أعلى من التنسيق الميداني . فالاختبار لم يعد في عدد الصواريخ والمسيرات التي تطلق فحسب ، وإنما في المعلومة التي تسبقها ، والهدف الذي تختاره ، والتوقيت الذي تستخدم فيه ، ومدى تزامن تلك العمليات مع النشاط في الجبهات الأخرى . فإذا اجتمعت هذه العناصر ، فهناك تحديداً يظهر الفارق بين دعم حليف ، وبين تعاون عملياتي مترابط تتوزع أدواته بين الجبهات ، بينما تتقاطع آثاره الاستراتيجية من هرمز إلى باب المندب .  .

والمفارقة أن ذلك يجري بينما تفاوض طهران واشنطن عبر الوسطاء .

 تفاوض بيد ، وتبقي أدوات القوة في اليد الأخرى .

فطهران تسعى إلى مكاسب في مسار التفاوض ، فيما تحتفظ بعلاقاتها مع حلفائها الإقليميين وقدراتهم بوصفها عناصر قوة في معادلة الصراع . وهنا يصبح الحكم على سياستها مرتبطاً بما يحدث على الأرض بقدر ارتباطه بما يقال على طاولة التفاوض .

وأمام هذا النوع من التعاون التخريبي ، تبرز أولوية  بناء صورة موقف إقليمية مشتركة  تربط مؤشرات اليمن والعراق ولبنان والخليج ، وتعزيز تبادل المعلومات والإنذار المبكر ، وحماية الملاحة والمنشآت المدنية والاقتصادية ، ومتابعة شبكات نقل السلاح والمكونات والتمويل بالوسائل القانونية والدبلوماسية والأمنية المتاحة .

كما تبرز أهمية حماية حرية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر ، وتطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة ، وتعزيز سلطة مؤسسات الدول على قرار الحرب والسلم والسلاح ، حتى لا تتحول أراضيها إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية .

 وغرة أكتوبر لا تكشف مجرد استمرار الدعم الإيراني للحوثيين ، بل تطرح احتمال انتقال العلاقة إلى مستوى أعلى من التنسيق الميداني . فالاختبار لم يعد في عدد الصواريخ والمسيرات التي تطلق فحسب ، وإنما في المعلومة التي تسبقها ، والهدف الذي تختاره ، والتوقيت الذي تستخدم فيه ، ومدى تزامن تلك العمليات مع النشاط في الجبهات الأخرى . فإذا اجتمعت هذه العناصر ، فهناك تحديداً يظهر الفارق بين دعم حليف ، وبين تعاون عملياتي مترابط تتوزع أدواته بين الجبهات ، بينما تتقاطع آثاره الاستراتيجية من هرمز إلى باب المندب .  .

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.