حين يعود الحنين إلى البيت الأول

حين يعود الحنين إلى البيت الأول
………
ما أقسى الحنين حين يطرق أبواب الذاكرة دون استئذان، فيوقظ في القلب ذكرياتٍ حسبنا أنها غفت، فإذا بها تعود أكثر حياةً وأشد أثرًا. عندها لا يملك المرء إلا أن ينوح بصمت، ويبكي شجنًا على أيامٍ مضت، ويشعر أن سياط الحنين تلسع القلب كلما مر طيف الماضي أمام عينيه.
لا يزال بيتي القديم يسكن وجداني، رغم مرور الأعوام. فما زلت أستحضر تفاصيله الصغيرة ؛ جدرانه، وأروقته، وزواياه التي احتضنت طفولتي وأجمل أيام عمري. وحين رأيته مرة أخرى خلال هذا العام، أدركت حقيقةً طالما تغنى بها الشعراء، وصدق فيها القول:
«أحسب عمار الدار يا سعود جدران… وأثر عمار الدار يا سعود أهلها.»
فعلمت أن البيوت لا تمنحها الحياة حجارتها ولا جدرانها، وإنما يمنحها الدفء أولئك الذين عاشوا فيها، وضحكوا بين أركانها، وتركوا في كل زاوية منها نبضًا لا يموت.
إنها ذكرياتٌ طواها الزمن، لكنها لا تموت؛ يكفي أن تعبر كلمة عابرة، أو تقع العين على صورة قديمة، أو يمر تاريخ يحمل بين طياته ذكرى عزيزة، حتى تتدفق المشاعر، وتنساب الدموع، ويعود القلب إلى تلك الحقبة الجميلة بكل تفاصيلها.
كيف أنسى صحيفة أبي التي كان يقرأها بشغف كل صباح، فارتبطت في ذاكرتي برائحة الورق وصوت تقليب الصفحات؟ وكيف أنسى أمي، وهي تجلس بكل حب وصبر لتعلّم إخوتي، وتغرس فيهم العلم والأخلاق؟ وما زالت رائحة طبخها الزكية تسكن الذاكرة، كأنها لم تغادر المكان، وكأن الزمن عجز أن يمحو أثرها.
رحم الله أولئك الذين لا يتكررون؛ أولئك الذين كانت الحياة معهم أجمل، وكانت الأيام بوجودهم أدفأ وأبهى. رحلوا إلى دار الحق قبل أن نشبع من صحبتهم، ونحن ما زلنا في أعمارٍ صغيرة، لا ندرك حجم الفقد إلا بعدما كبرنا، وأدركنا أن بعض الأشخاص إذا رحلوا، رحلت معهم أشياء كثيرة لا تعوض.
اللهم ارحم آباءنا وأمهاتنا وجميع أحبتنا الذين سبقونا إليك، واجعل قبورهم روضةً من رياض الجنة، واربط على قلوبنا بالصبر والسلوان، واجمعنا بهم في الفردوس الأعلى، حيث لا فراق بعده ولا حنين.
…………..
نورة عبدالرحمن محمد الحسين
اللهم امين ،
دائمًا اقول : الحنين الوجه الجميل للوفاء
مقال جميل جدا استاذة نوره
مبدعة يااستاذة نورة👍 .. مقال مؤثر جدا .. رحم الله من كان معنا في تلك الذكريات والعهد الرائع🤲