الوعي بالمسافة

الوعي بالمسافة
بقلم / صباح أحمد العمري
حين نلتفت إلى الخلف في لحظة صدق مع الذات، ندرك كم من الوقت والجهد أهدرناهما ونحن نحاول ترميم شروخٍ في أرواح الآخرين. شروخ لم نصنعها، ولم نكن مسؤولين عنها، ومع ذلك حملناها كأنها جزء من رسالتنا في الحياة. ظننا يومًا أن الحب بطولة، وأن الوفاء يقتضي أن نحوّل قلوبنا إلى مصحاتٍ مفتوحة، نستقبل فيها خيبات الآخرين ونحاول تضميد جراحهم مهما كان الثمن.
كنا نندفع بحماسة المنقذ، مؤمنين بأن في وسعنا انتشال كل من يتعثر، وإعادة بناء كل من هدمته الأيام. ثم تكشف لنا التجارب، بعد أعوام من العطاء والاستنزاف، حقيقة لا يمكن تجاهلها: لا أحد ينهض ما لم يقرر النهوض بنفسه. فليست كل يدٍ ممدودة تبحث عن النجاة، وليست كل جراحٍ مستعدة للشفاء. هناك من يألف ألمه حتى يصبح جزءًا من هويته، ومن يحتفظ بندوبه لأنها تعفيه من مواجهة ما ينبغي مواجهته.
عند هذه النقطة يتشكل الوعي بالمسافة.
تلك المسافة التي لا تعني القسوة، ولا الانسحاب من حياة الآخرين، ولا التخلي عن التعاطف الإنساني. إنها القدرة على إدراك الحدود الفاصلة بين المساندة والتورط، وبين المحبة وتحمل ما لا يخصنا. فمن حقنا أن نستمع، وأن نواسي، وأن نمد يد العون حين نستطيع، غير أن حياة الآخرين تظل مسؤوليتهم في النهاية، كما أن حياتنا مسؤوليتنا نحن.
إن الإقامة الدائمة في دور المنقذ تستنزف الروح أكثر مما تصلحها. وفي كثير من الأحيان تحرم الآخرين من خوض رحلتهم الخاصة نحو النضج. فبعض الدروس لا تُمنح جاهزة، وبعض الحقائق لا تُدرك إلا بعد اصطدام الإنسان بنتائج اختياراته، وبعض الأبواب لا تُفتح إلا من الداخل.
لهذا كان الدور الأهم الذي يمكن للإنسان أن يؤديه تجاه نفسه هو أن يكون سليمًا بما يكفي. أن يلتفت إلى جراحه قبل أن يفتش في جراح الآخرين، وأن ينظف نوافذ روحه من غبار المعارك القديمة، وأن يصالح ما انكسر فيه قبل أن ينشغل بإصلاح ما انكسر حوله.
ليس في ذلك أنانية؛ إنه وعيٌ بأن العطاء يحتاج إلى مصدر حي. فالإناء الفارغ لا يسقي أحدًا، والنور الخافت بالكاد يكفي صاحبه قبل أن يهدي الطريق لغيره. والعطاء الأكثر نضجًا لا يصدر عن الاستنزاف، وإنما عن الامتلاء، ولا يولد من شعورٍ ثقيل بالواجب تجاه الجميع، بل من سلام داخلي يجعل البذل فعلًا طبيعيًا لا معركة مستمرة.
وحين يصبح الإنسان أكثر تصالحًا مع ذاته، وأكثر استقلالًا بسلامه الداخلي، تتغير بوصلة اختياراته تلقائيًا. فلا يعود منجذبًا إلى الفوضى بدافع الإصلاح، ولا إلى العلاقات التي تقوم على الحاجة الدائمة للإنقاذ. عندها تصبح رؤيته أكثر صفاءً، ويغدو أقدر على تمييز الأرواح التي تشبهه في النضج والاتزان.
سيختار من يشاركه الطريق لا من يحمّله الطريق كله. سيختار علاقة تقوم على التشارك لا التعلق، وعلى الدعم المتبادل لا الاعتماد المستنزف. فالحياة ليست مشروع إنقاذ دائم، وإنما رحلة يسير فيها البشر جنبًا إلى جنب، يسند بعضهم بعضًا حينًا، ويتحمل كل منهم مسؤولية خطواته حينًا آخر.
إن أعظم ما يمكن أن نقدمه للعالم ليس أن نعالج كل من يتألم، ولا أن نحمل أعباء الجميع، وإنما أن نحافظ على سلامنا النفسي ونرعى توازننا الداخلي. فحين يكون الإنسان سليمًا من الداخل، يصبح حضوره رسالة طمأنينة، ويغدو مثالًا هادئًا على أن النجاة تبدأ من الداخل، وأن الطريق إلى البر لا يُفرض على أحد، بل يختاره من أراد الوصول إليه حقًا.
كاتبة رأي

