سيكولوجيا المسرح

سيكولوجيا المسرح
المختبر النفسي الأعمق للإنسانية هو المسرح؛ هناك، حيث تكشف الأضواء بؤرة الشعور الأنساني؛ فلا يُعرض النص الأدبي فحسب، بل تُشرَّح الروح البشرية على مرأى من الجميع، وتُمارَس طقوس الكشف والتطهير في آنٍ واحد.
في الحياة اليومية، نرتدي جميعًا أقنعةً مجتمعية لنخفي وراءها خوفنا، وهشاشتنا، ورغباتنا الدفينة. لكن الغريب في سيكولوجيا المسرح أن الممثل يرتدي القناع لكي يقول الحقيقة؛ فعندما يتقمص شخصيةً ما، يُمنح إذنًا نفسيًا بالتحرر من قيوده الاجتماعية، فيصرخ، ويبكي، ويحب بضراوة دون خوف من الأحكام، لأن اللوم يقع على “الشخصية” لا عليه. وهنا تكمن المفارقة العجيبة: إن المسرح هو المساحة الوحيدة التي نكذب فيها لنكون أكثر صدقًا مع أنفسنا.
ومع هذا التحول على الخشبة، يُستدعى مفهوم “التطهير” الذي صاغه أرسطو في حديثه عن التراجيديا، والذي اتسعت دلالاته لاحقًا في الدراسات النفسية ليحمل أبعادًا أعمق. فعندما يجلس المتفرجون في عتمة الصالة يراقبون مأساة “هاملت” أو ضياع “لير”، أو تمرد نورا في “بيت الدمية”… فإنهم لا يشاهدون غرباء
بل يستعرضون مخاوفهم المخبوءة. يحدث للجمهور نوعٌ من التفريغ الانفعالي؛ فيفرغون شحنات الخوف والحزن والذنب دون أن يتأذوا في واقعهم. يخرج الصراع المكبوت من ظلمة العقل الباطن إلى ضوء الخشبة، فيتطهر الممثل من أدوار الحياة المقيدة، ويزيح الجمهور عن كاهله ثقل المشاعر التائهة.
إن العلاقة بين الخشبة والصالة ليست مجرد مشاهدة عابرة، بل هي عدوى وجدانية خفية. تتجلى في الصمت الثقيل حين تحتبس أنفاس مئات الغرباء في وقت واحد عند لحظة درامية فارقة، فتتشكل حالة من الوعي الجمعي المتناغم. إنها لغة سرية يتحدث بها النبض المتسارع والتنهد المكتوم، لتكسر عزلة الفرد، وتذكره في العتمة بأنه ليس وحده من يعاني أو يحب أو يخاف.
ولم يكن مستغربًا، إذن، أن تثمر هذه العلاقة بين النفس والمسرح ما يُعرف اليوم بـ”السيكودراما” أو العلاج بالدراما، حيث تتحول الخشبة، في بعض التطبيقات العلاجية، إلى مشفى للروح؛ فمن خلال إعادة تمثيل الصدمات، يستطيع الإنسان أن يعيد كتابة نهايات خيباته، وأن يواجه مخاوفه بصوت عالٍ، ليستعيد مجددًا مقاليد شجاعته.
وعندما تُسدل الستارة وتنطفئ الأضواء، لا ينتهي المسرح، بل يبدأ في عقولنا. إن سيكولوجيا المسرح رحلة سفر إلى أعمق دهاليز الذات، نخلع فيها زيفنا على العتبة، ونخرج منها أكثر فهمًا لهشاشتنا الإنسانية، وأكثر قدرةً على تقبل ذواتنا.
كتبته /صباح أحمد العمري


