وجه الحقيقة… صوتها

وجه الحقيقة… صوتها
تتجلّى في أعماق النفس البشرية مفارقةٌ لافتة؛ فنحن نتدثّر برداء العقلانية، ونؤكد في نقاشاتنا ومناظراتنا أن المنطق هو قائد أحكامنا، غير أن التجربة الإنسانية تكشف أن للعاطفة حضورًا لا يقل أثرًا عن العقل. فنحن لا نتأثر بما يُقال فحسب، بل بالطريقة التي يُقال بها؛ إذ كثيرًا ما يسبق وقعُ النبرة معنى الفكرة إلى القلب.
ليست النبرة مجرد ذبذباتٍ تعبر الأوتار الصوتية، بل هي الوعاء الذي يحمل الفكرة إلى الآخر. فإذا جاء هذا الوعاء خشنًا أو مثقلًا بالتعالي، انصرف السامع عنه قبل أن يتأمل ما فيه. وكم من حقيقةٍ واضحة أُهملت لأنها قُدمت بلهجةٍ جافية، وكم من رأيٍ ضعيف وجد سبيله إلى النفوس لأن صاحبه أحسن عرضه، ولان صوته، وأدرك أن للكلمة بابًا لا يُفتح بالقوة.
وحين تتلبّس النبرة بالاستعلاء أو التهكم، يتحول الحوار في لحظةٍ من سعيٍ مشترك إلى الفهم، إلى معركةٍ يدافع فيها كل طرف عن كرامته قبل فكرته. فالعقل لا يعمل في فراغ؛ بل يتأثر بما يستشعره من احترامٍ أو ازدراء، فإذا شعر بالتهديد، انشغل بالدفاع عن الذات، وأغلق نوافذ الإصغاء. وهكذا تضيع الفكرة، لا لضعفها، بل لأن الطريق الذي سلكته لم يكن ممهدًا للوصول.
وعلى النقيض من ذلك، تظل الكلمة الطيبة من أنجع وسائل الإقناع وأرقاها. فالنبرة الهادئة المفعمة بالرفق تتسلل برفق إلى ثنايا الخلافات الفكرية، فتخفف حدتها، وتفسح مجالًا للتأمل بعيدًا عن الانفعال. ومن يراجع مواقف الحياة يجد أن النصيحة نفسها قد تُرفض حين تُقال بغلظة، ثم تُقبل إذا صيغت بلطفٍ واحترام؛ لأن النفوس تميل بفطرتها إلى من يُشعرها بالتقدير، لا إلى من يستعرض تفوقه عليها.
ولعل في ذلك درسًا بليغًا لكل أصحاب المبادئ وحَمَلة الأفكار؛ فالحق وحده لا يكفي ليبلغ غايته، ما لم يُحسن صاحبه تقديمه. إن حسن العرض، ونبل النبرة، ولطف الخطاب، ليست زينةً تُضاف إلى الفكرة، بل جزءٌ من أثرها. فكما يحتاج الضوء إلى نافذةٍ صافية ليملأ المكان، تحتاج الحقيقة إلى صوتٍ رحيم لتبلغ القلوب، فتُبصرها العقول في هدوء، وتستقبلها النفوس برضا.
كتبته /صباح أحمد العمري
