فإنك من المنظرين

فإنك من المنظرين
وليد قادري
تقول الحسناء تصف جمالها في قصيدة موسى بن بهران: جنان الخلد قد جمعت لديّا..
خالد، خلود، خلّاد، مخلد..
إنّ الأسماء تعبر عن أصحابها، هكذا يقال، أسميت ولدي البكر (خالداً) تيمناً بالبطل (خالد بن الوليد) رضي الله عنه والذي خلّد اسمه في التاريخ بعبقريته العسكرية كما يحكيها (العقاد) في “عبقرية خالد”، وهذا الاسم يذكرني بطفولتي في مدرسة خالد بن الوليد الابتدائية حيث كان والدي أحد مسؤوليها، فارتبط بي اسم خالد بطلاً ونشأة وعائلة، أمّا إن كان اسمك (خلود) فعيشي لأقصاك تيمناً بمعناه..
بقدر ما يبدو الخلود مثيراً للاهتمام، أن تعيش بمعزل عن الموت، بمحاذاته، يمر بجانبك ولا يلقي لك بالاً، تشهد نهضة الحضارات وانهيارها ونهضتها من جديد في دورات زمنية محسوبة ومتكررة في التاريخ تريد منا أن نتنبه لها ونستفيد ونتغير ونسمو..
أن تكون خالداً، يشيخ أبناؤك وأحفادك أمامك، يرحلون وتبقى غصة ألم الفقد بداخلك تضطرم كنار معبد مجوسي رغم أنك قد عشت اللحظة مئات المرات من قبل..
كما يقول العراب الراحل د. أحمد خالد توفيق:
“هل فهمت الآن الحكمة من كون عمر الإنسان لا يتحاوز الثمانين في الأغلب؟ لو عاش الإنسان مائتي عام لجـنّ من فرط الحنين إلى أشياء لم يعد لها مكان”
فلماذا نبحث عن الخلود ؟!
قد بحث عنه من قبل جلجامش في ملحمته الأسطورية، البحث عن إطالة الأعمار والحرص على الحياة لآخر رمق وكأن الموت هو النهاية وليس جسراً نعبره، كلا، لم تنته القصة بعد، ولم تبدأ بولادتك، قد بدأت قبل ذلك بكثير حينما شهدنا أمام خالقنا جل في علاه وأمام أبونا آدم، فقلنا بلى..
فالزمن كما نعرف هو مجرد وهم، ليس إلا حسابات نستند عليها لتبقى عقولنا في أمان، عدم الإحساس بالزمن قد يقودك للجنون ولك أن تقابل إنساناً محتجزاً في سرداب مظلم لا يعرف ليلاً أو نهاراً عن سلامة عقله بعد التجربة، فلولا تسبيح سيدنا يونس عليه السلام في بطن الحوت لفقد توازنه، فكان ذلك التسبيح غذاءً وحماية له..
بماذا يشعر إبليس يا ترى ؟!
عدونا اللدود، قد أقسم بعزة الله أنه سيغوينا، بصوتٍ بدا عميقاً كالشعراء، كصدىً متضخمٍ لبئرٍ ضحلٍ..
عاش إبليس آلاف الأعوام من قبل الملحمة العظمى بين قومه والملائكة في تاريخ لم يشهده بشر وسيعيش إلى أن ينتهي التقويم الكوني وتقوم قيامة الأرض بمذنبٍ سيطوي معه السماوات كالكتب ويحول كوكبنا إلى بقايا..
قد عاش مليارات الدقائق وهو يعلم مصيره المحتوم، كمريض بالسرطان رفض الدواء تكبراً وتجبرّاً وأفسد في البلاد فحُكم عليه بأن يعدم بعد خمس سنوات تبقت له قبل أن يتهاوى، قبل أن يغزو ذلك القاتل الشرس كل خلية في جسده وينتصر عليه، لكن المفارقة أنه لن يموت بالسرطان بل شنقاً بحبل من سجّيل ثم ستتولى المقصلة فصل رأسه عن جسده ثم ستقطع أطرافه من خلاف وسيتولى سبعٌ ضاري تمزيق ما تبقى من جسده، كيف لهذا المريض أن يعيش تلك السنوات معذباً في انتظار الموت تمر الثواني عليه كحلزون قرر أن يهرب من برد الشتاء في منتصف ليلة صيف، وليس على هذا المريض سوى تقبل الدواء والاعتذار والتوبة لكنه باقٍ على الكبرِ فقد تمكن منه (الإيجو) المدمر ووصل به إلى أن اعتنق عقدة الألوهية مع أتباعه فقط لأنه من المنظرين..
لا شك لديّ أن أجزاءً من عقله وروحه تساقطت من طول المسير، فإن اتبعته سيخونك كرجلٍ حزّ عنق امرأته واطفاله إشفاقاً عليهم من ألم الجوع، في أوقات حربٍ لم تترك لهم شيئاً، وثقل عليه أن يشاهد نزفهم البطيء ورحيل أعينهم على أن تذوي أجسادهم أمامه، ثم قرر أن يأكلهم بعدها لينقذ نفسه، فعادت دموعه إلى محجرها خجلاً من عار فعلته..
إبليس من المنظرين، هذا المفهوم الذي يحتاج إلى تفكر عميق، هو أحدهم، ليس الوحيد، ومن أجل التوازن الذي بُني عليه الكون، سيكون هناك مُنظرين آخرين، ربما من نفس جنسه، من أجناس أخرى، من يدري ؟!
هذا الخلود، هل هو نعمة أم لعنة ؟!
هل الخالدون لديهم إحساس بالوقت مثلنا ؟!
قد راودت الفكرة العديد في السابق لدرجة أن علم الخيمياء القديم احتوى على ما يسمى بأكسير الحياة، الطريق نحو الخلود، وكأن حياة واحدة لن تكفيك، فلنجعلها ألف حياة من أجلك، تناول الأكسير وستنطبق عليك قوانينه، قد يحتوي الأكسير على مزيج من دماء العذارى والزئبق الأحمر والذهب، وستلعب الشطرنج مع الخالدين أمثالك، الفانون هم طابياتك وفرسانك ووزرائك وملوكك، في لعبة ستنتهي بوفاة لوح اللعبة بمن فيه، أما أنت فلن تشيخ، لن تبلى خلاياك، لن تموت..
ستكون مثل الملائكة، مثل الشيطان، مثل المنظرين، لكن يجب أن تعرف قبلاً خطورته، قد رفضه معلمنا الأعظم محمد ﷺ وآثر لقاء ربه، فالخالدون كُتب عليهم أن يبقوا بلا مشاعر، ذلك المزيج الفريد من الهرمونات بداخلنا الذي يتفاعل مع الروح والجسد كي نشعر، فالملائكة لا تشعر، هم من طاقة صافية لا يخالجها خبث، والشياطين لا تشعر، هم من طاقة مدمرة لا يتخللها قبس ضياء، أنت لست أيهما، فعلام الخلود إذاً..
في كتاب أنيس منصور ” الخالدون مائة، أعظمهم رسول الله ﷺ” عن كتاب مايكل هارت يذكر شخصيات خلدها التاريخ وأعلنهم عظماء، فلماذا خُلِّد ذكرهم؟!
الخلود الأبدي في الجنة أو النار سيُبنى على ما قدمت في حياتك، لكن إن أردت أن تكون خالداً في الدنيا، سأهديك الطريقة، قدم شيئاً من أجل مسيرة البشرية، دواء، كتاب، حكمة، أثراً يستحق، وسيخلد ذكرك، تستطيع أيضاً أن تتحامق ويغلبك غرورك وترى في التدمير وسيلتك للخلود، الخيار بيدك..
كاتب رأي
