جيولوجيا الانسان

جيولوجيا الانسان
قال تعالى:﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ 21الذاريات
كم مرة اعتقدت أنك تعرف شخص جيدًا، ثم تكتشف بعد مدة أنك لم تكن تعرف سوى الطبقة الخارجية منه؟
قد يحدث ذلك كثيراً فنلتقي بأشخاص نكوّن عنهم انطباعات سريعة، ونظن أننا فهمنا شخصياتهم، وأننا أصبحنا قادرين على التنبؤ بردود أفعالهم أو أفكارهم ومشاعرهم. لكن الحياة تفاجئنا مرارًا بأن الإنسان أكثر تعقيدًا مما يبدو عليه، وأن ما يظهر لنا في البداية ليس إلا جزءًا صغيرًا من قصة طويلة شكلتها تضاريس الحياة.
فالإنسان ليس وجهًا واحدًا، ولا شخصية واحدة، ولا حتى نسخة ثابتة من نفسه. إنه أشبه بطبقات متراكمة تشكلت عبر السنين؛ طبقات صنعتها التربية، والتجارب، والانتصارات، والانكسارات، والمخاوف، والأحلام المؤجلة، والأسرار التي لم تُحكَ.
ومن زاوية أعمق يمكن النظر إلى الإنسان كأنه “جيولوجيا حيّة”، تشكّلت طبقاته كما تتشكل طبقات الأرض عبر الزمن. كل تجربة تمر عليه تترك أثرًا، وكل موقف يضغط عليه يضيف طبقة جديدة، وكل ألم يدفنه داخله يتحول مع الوقت إلى طبقة تختبئ تحت السطح. وما نراه اليوم من ملامح الإنسان وسلوكه ليس إلا الطبقة الأخيرة الظاهرة فوق تاريخ طويل من التراكمات النفسية والإنسانية.
حين نتعرف على شخص ما، فإن أول ما نراه غالبًا هو الطبقة الخارجية؛ تلك الطبقة التي أعدها للتعامل مع العالم.
قد تكون ابتسامة دائمة، أو هدوءاً لافتًا، أو ثقة كبيرة بالنفس، أو حتى صرامة أو قسوة تبدو جزءًا أصيلًا من شخصيته. لكن ما نراه ليس بالضرورة كل ما هو موجود، ولكن ما سمح لنا برؤيته في تلك اللحظة.
ومع مرور الوقت تبدأ الطبقات الأخرى بالظهور. فنكتشف أن الشخص المرح الذي يملأ المجالس ضحكًا يحمل في داخله حزنًا لا يعلم كيف يعبر عنه فاختار أن يغطيه بطبقة من المرح.
ونكتشف أن الشخص الصارم الذي ظنناه قاسيًا يخفي قلبًا بالغ الحساسية.
ونكتشف أن بعض الهادئين ليسوا خاليين من الأفكار، إنما هممثقلون بها إلى درجة تجعل الصمت أكثر راحة من الكلام.
فكل طبقة جديدة تكشف لنا أن الإنسان أوسع من الأحكام السريعة، وأعمق من الانطباعات الأولى. فبعض الطبقات التي نراها عند الناس ليست تعبيرًا كاملًا عن حقيقتهم، ولكنها وسائل حماية صنعوها عبر السنوات.
فالطفل الذي تعرض للسخرية قد يكبر وهو يتظاهر بالثقة المفرطة حتى لا يبدو ضعيفًا.
والإنسان الذي اعتاد الخذلان قد يتعلم البرود حتى لا يتأذى مرة أخرى.
ومن خاف الرفض طويلًا قد يصنع شخصية ترضي الجميع، حتى ينسى مع الوقت ملامحه الحقيقية.
لهذا لا يمكن دائمًا اعتبار الطبقات الخارجية خداعًا أو تزييف. فكثير منها لم يُصنع إلا كحاجز لحماية الذات من ألم سبق أن عرفته جيدًا. وربما لهذا السبب أيضًا نخطئ حين نحكم على الناس من أول لقاء. فنحن لا نرى تاريخهم، ولا مخاوفهم، ولا معاركهم الصامتة، ولا القصص التي دفعتهم ليكونوا على ما هم عليه اليوم.
اننا نرى النتيجة فقط، بينما تبقى الأسباب مختبئة في أعماق تلك الطبقات المترسبة.
والأمر الأكثر إثارة للتأمل أن بعض الناس لا يخفون طبقاتهم عن الآخرين فحسب إنما قد يخفونها عن أنفسهم أيضًا. فليس كل إنسان يعرف نفسه معرفة كافية.
ولكن رحلة اكتشاف الذات قد تكون أطول من رحلة اكتشاف الآخرين.
فكم من شخص ظن نفسه قويًا حتى وضعته الحياة أمام موقف كشف هشاشته؟
وكم من شخص اعتقد أنه لا يستطيع المواجهة، ثم اكتشف في لحظة صعبة شجاعة لم يكن يعلم بوجودها؟
وكم من إنسان عاش سنوات طويلة وهو يظن أن غضبه هو طبيعته، ليكتشف لاحقًا أن ما كان يسكنه ليس الغضب، ولكن الحزن؟
إننا لا نولد حاملين معرفة كاملة بأنفسنا، لكننا نقضي أعمارنا نحاول أن نكتشف طبقاتنا الواحدة تلو الأخرى.
فكل تجربة تكشف شيئًا.
وكل خسارة تزيل غطاءً.
وكل نجاح يظهر جانبًا جديدًا.
وكل علاقة تضع مرآة أمام جزء مختلف من ذواتنا.
ولهذا فإن معرفة النفس ليست نقطة نصل إليها إنما رحلة مستمرة لا تنتهي.
وربما تكمن الحكمة في أن نتعامل مع أنفسنا والآخرين بقدر أكبر من التأنّي.
أن ندرك أن ما نراه ليس الصورة كاملة.
وأن الإنسان الذي أمامنا قد يكون أعمق بكثير مما نتصور.
وأننا نحن أنفسنا ما زلنا نحمل في داخلنا طبقات لم تكشفها الحياة بعد.
فبعض الحقائق لا تظهر في أوقات الراحة. وبعض الصفات لا تستيقظ إلا عند الأوقات الصعبة.
وبعض الطبقات تبقى ساكنة سنوات طويلة حتى تأتي لحظة معينة فتكشفها فجأة.
لذلك، حين تظن أنك عرفت إنسانًا بالكامل، تذكّر أن ما عرفته ربما ليس سوى فصل من كتابه، أو طبقة من طبقاته الكثيرة.
فالإنسان كائن معقد أكثر من أن يُكتشف مرة واحدة.
وكلما تعمقنا في معرفة الناس، أدركنا أن أكثر ما يميزهم ليس ما يظهر على السطح إنما ما يختبئ في الأعماق.
أما أعظم الاكتشافات كلها، فقد تكون تلك التي نقوم بها داخل أنفسنا.
فكلما فهم الإنسان طبقاته المختلفة، وتعرّف إلى دوافعه ومخاوفه وآماله، أصبح أكثر صدقًا مع ذاته، وأكثر رحمة بالآخرين.
وحين ندرك أن لكل إنسان قصة لا نراها، وجراحًا لا يتحدث عنها، وطبقات لم تُكشف بعد، نتعلم أن نستبدل الأحكام السريعة بالفهم، والقسوة بالتعاطف.
وفي النهاية، فإن معرفة النفس وفهم الآخرين وجهان لرحلة واحدة؛ رحلة تبدأ من الداخل وتمنحنا عينًا أبصر وقلبًا أرحم. وكلما ازددنا وعيًا بعمق الإنسان وتعقيده، ازددنا تواضعًا في أحكامنا واتساعًا في إنسانيتنا.
فلا تتعجل الحكم على أحد، ولا تظن أنك بلغت نهاية المعرفة بنفسك أو بغيرك. فالإنسان كائن لا يُختصر في موقف، ولا يُعرَّف بمرحلة، ولا تُحيط به نظرة عابرة. نحن جميعًا نحمل في أعماقنا طبقات من الضوء والظل، من القوة والهشاشة، من الحقائق التي عرفناها وتلك التي ما زالت تنتظر لحظتها لتنكشف.
ولعل أجمل ما في هذه الحقيقة أنها تذكّرنا بأن الحياة ليست رحلة لاكتشاف العالم فقط وإنما رحلة لاكتشاف الإنسان الكامن فينا وفي الآخرين. وكلما أزحنا طبقة، أدركنا أن وراءها طبقة أخرى، وأن العمق الحقيقي لا نهاية له.
فكن رحيمًا في أحكامك، متواضعًا في يقينك، واسع القلب في فهمك؛ لأن كل إنسان تقابله هو عالم كامل لم تُقرأ صفحاته كلها بعد. وربما كانت الحكمة الأعمق أن ندرك أن قيمة الإنسان تكمن في ذلك العمق اللامرئي الذي يصنعه، ويشكّله، ويمنحه فرادته. هناك فقط تتكوّن الحقيقة الأكثر صدقًا، ويتجلّى المعنى الأعمق للإنسان.
بقلم الكاتبة :بهجه أحمد


