كُتاب الرأي

حين يصبح العمل الجماعي… كذبة أنيقة

حين يصبح العمل الجماعي… كذبة أنيقة

لطالما أعجبتني مقولة أرسطو حين قال: ” الكل أكبر من مجموع أجزائه”.

ولطالما تأملتها طويلا، لأشعر بتلك القوة الكامنة خلفها

وكأنها وعدٌ جميل…بأن الإنسان، حين لا يكون وحده

يصبح أكثر اتساعًا، وأكثر قدرة على الابتكار والإنجاز.

كانت الفكرة مدهشة بالنسبة لي…

فكيف يمكن للجهود أن تتلاقى وللأدوار أن تتشابك كخلية نحلٍ ضخمة!

لتولد نتيجة لا يمكن لأي فرد أن يصنعها وحده.

أن يكون “نحن”…أوسع من كل “أنا” وأقوى منها، وأكثر احتمالًا للحياة.

ولكن…ماذا لو لم تكن الصورة بهذا النقاء؟

ماذا لو كان العمل الجماعي في بعض صوره مجرد كذبة أنيقة…

يُعلّقها أصحاب العمل على أبواب مكاتبهم وتُكتب في مقدمة الخطط وتُردّد في الاجتماعات، بينما الواقع يسير في اتجاهٍ آخر تمامًا؟

ماذا لو كان “الفريق” أحيانًا مجرد اسمًا كبيرًا…

على لوحة قد تسقط مع أول عاصفة …وتُخفي تفاوتًا واضحًا في الجهد؟

أو شعارًا جميلًا…يستوعب تحت مظلته من يعمل بصدق ومن ينسحب بهدوء

ومن يتقن فن الظهور…أو ربما فن الاختفاء باحترافية.

هنا… نحن لا نُنكر قيمة العمل الجماعي، بل على العكس تماماً..

ولكننا نحاول أن نراه كما هو، لا كما نحب أن نراه.

فالعمل الجماعي في جوهره ليس مجرد فكرة حالمة.

ولكنه منظومة ضخمة ودقيقة تقوم على أركان واضحة ومتأصلة

إن غاب أحدها، اختلّ توازن المنظومة بأكملها

وتحوّلت التجربة من “قوة مشتركة”…إلى عبءٍ واستنزافٍ غير مرئي.

وأول هذه الأركان هو الوضوح، وضوح الأهداف ووضوح الرؤية ووضوح الأدوار وتوزيعها بشكل مناسب. فهو قيمة لا يمكن الاستغناء عنها أبداً. وهو أول خطوة حقيقية للنجاح في إنجاز أي مهمة.

أن يعرف كل فرد دوره بدقة وما المطلوب منه ومتى وكيف سينجزه. بعيداً عن التشتيت وتمطيط الأدوار، فالوضوح هنا لن يمنع الأخطاء لكنه سيمنع الفوضى ويحافظ على جودة الوقت المستغرق لإنجاح العمل. وحين يغيب الوضوح ستبدأ المساحات الرمادية بالاتساع…!

هذا يظن أن ذاك سيتكفل وذاك ينتظر أن يُطلب منه وتمضي الأيام…

بين افتراضات لا تُنجز شيئًا، فقط ليتغذى منها وحش الاتكالية ويكبر يوماً بعد يوم

ليبتلع الجميع بلا سابق إنذار..

 وأما بالنسبة لثاني أركان العمل الجماعي وهو الالتزام. فالالتزام قيمة عظيمة علمنا هي ديننا الإسلامي من خلال الالتزام بمواقيت العبادات والالتزام بقوانين دينية لا تقبل النقاش..

 فالالتزام ليس مجرد الحضور ولا تسجيل الاسم ضمن الفريق. ولكنه الحضور الحقيقي داخل المهمة.

أن تُنجز ما عليك، في وقته، وبجودة تحترمك قبل أن تُرضي غيرك.

ففي كل فريق هناك من يعمل…وهناك من يبدو وكأنه يعمل.

والفرق بينهما لا يظهر في البدايات وإنما في اللحظات الحرجة

حين يضيق الوقت وتنكشف الحقيقة.

أما ثالث أركان العمل الجماعي وهي العدالة

أن يُرى الجهد كما هو لا كما يبدو في النهاية.

فالنتائج قد تُكتب باسم الجميع، لكن الطريق إليها نادرًا ما يكون متساويًا.

وحين يُساوى بين من بذل ومن تأخر ومن حضر فقط ليُحتسب حضوره، تبدأ روح الفريق بالانطفاء…

لا تبدو لك الأمور وكأنها مثالية، وان الجميع لديهم الحافز للمضي قدماً فلا يوجد مثالية في هذا العالم يا صديقي.

 ولكن الحقيقة أن مرحلة توزيع الأدوار بذكاء ووعي وفق قدرات الأفراد، بحيث يعمل كل شخص في دائرته لا فوق طاقته ولا دون مسؤوليته وهذا هو أول خيوط العدالة إن شئت.

وأما رابع ركن من أركان العمل الجماعي فهو المحاسبة او التقييم

وهي ليست قسوة كما يظن البعض وإنما أساس يضمن خط سير الجميع وفقاً لدوران الدائرة.فالفريق الذي لا يراجع نفسه ولا يصحّح مساره يعتاد على التراخي

حتى يصبح جزءًا من طبيعته.

دعني أخبرك أمراً مهماً… المحاسبة لا تهدم العلاقات كما قد يبدوا

وإنما تحميها لتبقى ضمن الإطار المطلوب.

وبالنسبة لخامس ركن من أركان العمل الجماعي وهو النية المشتركة ويتمثل في أن الجميع لديهم أهداف مشتركة ورغبة للسعي خلف تلك الأهداف..

أن يجتمع الفريق على معنى الإنجاز لا على مجرد إنهاء المهمة.

فالفرق كبير بين من يعمل ليُنجز شيئًا يُعتد به ومن يعمل فقط… لينتهي.

 وحين تجتمع هذه الأركان يصبح العمل الجماعي تجربة ثرية

تُنمّي، وتُضيف، وتبني وتُدهش.

ولكن حين تغيب…لن ينهار كل شيء فجأة، ولكن قد يتشكّل شيء آخر

يستنزف البعض ويؤدي بالبعض الآخر إلى إطعام وحش الاتكالية

وحينها لن يأتي أرسطو لإنقاذ الجميع لكنه ربما قد يغير أقواله..

وهنا فقط…قد يصبح العمل الجماعي كذبة أنيقة.

كذبة…تسير بربطة عنق بين الجميع..

فحين يُطلب من المجتهد أن يُغطي تقصير غيره..

باسم “روح الفريق” وحين يتحمّل ضغط الوقت

وثقل التفاصيل وغياب العدالة ثم يُقال في النهاية: “أنجزناها معًا”.

كذبة…حين يتحوّل “تقسيم المهام”

إلى توزيع غير عادل يأخذ فيه البعض المساحة ويُلقى على الآخرين العبء.

وحين تصبح بعض الأدوار مرئية فتنال التقدير بينما تظل الأدوار

الثقيلة غير مرئية…رغم أثرها الواضح..

كذبة…حين يُكافأ الصوت الأعلى ويهمش الجهد الأصدق.

حين يُجيد البعض الحديث عن العمل أكثر من العمل نفسه

فيُحسب حضوره إنجازًا.

كذبة…حين يخاف الفريق من الصدق. وحين يُستبدل النقاش الحقيقي بالمجاملات ويُترك الخلل ليتضخم كي لا “تتوتر الأجواء”.

فتكبر الكذبة

كذبة…حين يُستخدم اسم الفريق كغطاء مهذّب للفوضى!

أو كعذر جاهز لأي تقصير: “نحن فريق”…

وكأن الكلمة وحدها تكفي لتصحيح الواقع.

والأخطر من ذلك كله…أن هذه الكذبة لا تغير النتائج فقط

ولكنها تُربك اتزان الإنسان نفسه.

فتجعله يتساءل.. هل المطلوب أن أكون صادقًا في جهدي؟

أم ذكيًا في الاختباء؟

هل أُنجز حقًا…أم أكتفي بأن أكون ضمن الصورة؟

وهنا…يتحوّل العمل الجماعي من تجربة نمو…إلى تجربة استنزاف.

تسرق من طاقة المجتهد وتمنح المبررات للمقصر..

ويبقى الجميع داخل إطار جميل…فارغ من العدالة.

لكن الحقيقة. التي لا تُقال كثيرًا: أن العمل الجماعي لا ينجح

إلا إذا كان كل فرد قادرًا أن يعمل وحده أولًا.

أن يتحمل مسؤوليته كاملة، لأنه لا يعرف أن يكون عكس ذلك.

الفريق الحقيقي لا يُبنى على اللطف، بل على الوضوح..

والالتزام وشجاعة المواجهة.

لا يخاف من كشف الخلل ولا يجمّل التقصير!

ولا يُحمّل شخصًا ما لا يطيق…ثم يسمي ذلك تعاونًا.

ولا يقف مفهوم العمل الجماعي عند حدود بيئات العمل أو المؤسسات.

 لكنه يتجاوزها إلى تفاصيل الحياة الأكثر قربًا، حيث لا تُسمّى الأشياء بأسمائها الصريحة، لكنها تُمارس بنفس المنطق.

ففي داخل الأسرة مثلًا، لا يُدار اليوم كعملٍ فردي مستقل.

 ولكن كسلسلة أدوار متداخلة، تتوزع بين من يراها مسؤولية كاملة يؤديها بوعي، ومن يراها واجبًا يُؤدى حين يُطلب فقط، وبين من يختفي جهده في الخلفية لأنه يُفترض وجوده أصلًا، لا لأنه يُرى أو يُقدّر.

وفي العلاقات اليومية أيضًا، يتكرر المشهد نفسه بصيغ مختلفة..

 أحدهم يحمل ثقل التفاصيل الصغيرة دون أن يُقال عنه إنه “يقوم بدوره”، وآخر يشارك بالحد الأدنى لكنه يظل حاضرًا في الصورة النهائية كجزء من “نحن”، وكأن الانتماء وحده كافٍ لمعادلة الجهد.

وهنا يصبح واضحًا أن اختلال فكرة “العمل الجماعي” ليس مرتبطًا بالمجال فقط

 وإنما بطريقة إدراكنا للعدالة داخل أي مساحة تجمع أكثر من فرد، سواء كانت مكتبًا، أو بيتًا، أو علاقةً ممتدة بين أشخاص يجمعهم اسم واحد بينما يفرقهم مستوى حضور مختلف تمامًاّ!

وفي الواقع…نحن لا نحتاج سوى أشخاصًا حقيقيين أشخاصًا إذا حضروا… أحدثوا الفرق وإذا غابوا… تركوا فراغًا لا يُملأ.

أشخاصًا لا يختبئون خلف كلمة “نحن “، لكنهم يرفعونها… بصدق أفعالهم.

ولأن العمل الجماعي، في نهايته ليس عدد الأيدي التي اجتمعت…

إنما عدد الضمائر التي التزمت… حتى النهاية.

فإما أن يكون الفريق سندًا يُحمل معك..

أو يصبح اسمًا جميلًا… تحمل عبئه وحدك.

بقلم: بهجه أحمد

بهجه أحمد

كاتبة رأي وشاعرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى