*الانتصار الذي لا يريده أحد*

*الانتصار الذي لا يريده أحد*
*رؤية تحليلية*
*إعتادت الحروب أن تدور حول سؤال واحد: من ينتصر؟*
*غير أن الحرب الأمريكية – الإيرانية الراهنة تفرض سؤالا مختلفا وأكثر تعقيدا: ماذا لو أصبح الانتصار نفسه مصدر قلق للأطراف المتصارعة؟*
*فبعد أشهر طويلة من المواجهة العسكرية والضغوط الاقتصادية والتجاذبات السياسية، لم يعد المشهد يدور حول القدرة على الحسم بقدر ما يدور حول كلفة ما بعد الحسم. وكلما اقتربت الأطراف من امتلاك أدوات التأثير، ازدادت صعوبة الإجابة عن سؤال أكثر حساسية: ماذا سيحدث في اليوم التالي للانتصار؟*
*وتزداد أهمية هذا السؤال مع استمرار تأثير الحرب على أمن الطاقة العالمي وحركة الملاحة البحرية وأسواق التأمين والنقل البحري وسلاسل الإمداد الدولية. فكلما طال أمد الصراع ازدادت كلفة الحسم على الجميع، وأصبحت إدارة الأزمة أقل خطورة من محاولة إنهائها بصورة جذرية.*
فالحسم العسكري الأمريكي، مهما بلغت فعاليته العملياتية، قد يفتح الباب أمام فراغ أمني وسياسي واسع داخل دولة يتجاوز عدد سكانها تسعين مليون نسمة وتحتل موقعا جيوسياسيا محوريا يربط الخليج العربي بآسيا الوسطى والقوقاز وشبه القارة الهندية. أما أي نجاح إيراني في فرض معادلة استنزاف طويلة الأمد، فقد يعني استمرار الضغوط على أسواق الطاقة والتجارة البحرية الدولية وارتفاع كلفة المخاطر على الاقتصاد العالمي. ومن هنا تبدو كلفة الانتصار الكامل أعلى بكثير مما تظهره الحسابات العسكرية المجردة.
ولهذا تبدو الحرب الأمريكية – الإيرانية الراهنة أقرب إلى معركة حسابات منها إلى معركة قدرات. فالقوة متوافرة لدى الطرفين بدرجات مختلفة، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في استخدام القوة، بل في إدارة نتائج استخدامها.
كما تؤكد تجارب التاريخ أن كثيرا من الحروب لم تتوقف عند حدود الميدان، بل بدأت أزماتها الكبرى بعد انتهاء العمليات العسكرية. فالقدرة على إسقاط الخصم تختلف كثيرا عن القدرة على إدارة الواقع الذي ينشأ بعد سقوطه، والقدرة على إطالة الصراع تختلف عن القدرة على تحويله إلى مكسب استراتيجي مستدام.
غير أن هذه القراءة لا تعفي النظام الإيراني من مسؤوليته عن ( كامل ) البيئة التي أنتجت الأزمة الحالية . فسنوات طويلة من تصدير الأزمات وتوسيع دوائر التوتر وتوظيف الوكلاء الإرهابيين المسلحين والاعتماد على أدوات الصراع غير المباشر ساهمت في تراكم عوامل عدم الاستقرار التي تصاعدت لاحقا بأشكال مختلفة.
وقد حقق هذا النهج بعض المكاسب الشريرة المرحلية، لكنه أخفق في بناء بيئة مستقرة تتناسب مع حجم الإمكانات التي تمتلكها إيران. ومع مرور الوقت تحولت أدوات النفوذ إلى مصادر استنزاف، وتحولت كثير من الأزمات التي صممت لتوسيع المجال الحيوي إلى أعباء سياسية واقتصادية وأمنية متراكمة.
ومن هنا لا تبدو المعضلة الحقيقية اليوم مرتبطة بمن يمتلك القوة الأكبر، بل بمن يمتلك الرؤية الأوضح لليوم التالي للحرب. فالقوة تستطيع تغيير الوقائع، لكنها لا تستطيع وحدها بناء الاستقرار الذي تحتاجه المنطقة بعد انتهاء الصراع.
*الاستنتاجات .*
*تكشف الحرب الأمريكية – الإيرانية الراهنة أن أخطر مراحل الصراع ليست دائما مرحلة القتال، بل مرحلة التفكير في نتائجه النهائية. فكل طرف يعرف كيف تبدأ الحروب، لكن قلة قليلة فقط تستطيع أن تتنبأ بالشكل الذي سيجنح عليه السلام.*
*كما تؤكد هذه الحرب أن امتلاك القدرة على الحسم لا يعني بالضرورة الرغبة في استخدام تلك القدرة. فكلما ازدادت كلفة ما بعد الانتصار، تراجعت جاذبية الانتصار نفسه، وأصبح البحث عن إدارة الصراع أقل خطورة من محاولة إنهائه بصورة جذرية.*
*ومن هنا يبدو أن المعضلة الكبرى التي تواجه النظام الإيراني اليوم لا تكمن في ضغوط الحرب وحدها، بل في حصيلة عقود من السياسات الهجومية التي فضلت إدارة الأزمات على حلها، والتوسع في ساحات التوتر على الاستثمار في فرص الاستقرار. ولذلك فإن السخط المتزايد الذي يحيط بهذه الحرب لا يوجه إلى نتائجها وحدها، بل إلى السياسات التي مهدت الطريق إليها وجعلتها ممكنة.*
*لقد أثبتت هذه الحرب أن القوة حين تنفصل عن الحكمة تتحول إلى عبء على صاحبها قبل خصومه، وأن من يزرع الريح لا يملك حق الدهشة حين يحصد العاصفة، وأن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تهزم الخصوم، بل تلك التي تهزم الأوهام التي صنعت الخصومة من الأساس.*
*ويبقى السؤال الحقيقي في هذه الحرب ليس: من يستطيع مواصلة القتال؟ بل: من يملك الشجاعة الكافية لمراجعة الطريق الذي قاد إليه؟*
*وربما تكشف هذه الحرب حقيقة أعمق من كل الحسابات العسكرية. فالأمم لا تسقط دائما عندما تخسر معاركها، بل قد تبدأ خسارتها الحقيقية عندما تعجز عن مراجعة الأفكار التي قادتها إلى تلك المعارك. وعند هذه النقطة لا يصبح الانتصار حلا، بل يصبح جزءا من المشكلة نفسها.*
*فالقوة تكشف ما تستطيع الأمم أن تفعله، أما الحكمة فتكشف ما ينبغي ألا تفعله. وبين القوتين يولد القرار، وبين القرار ونتائجه تكتب الأمم تاريخها .*
كتبه : اللواء البحري الركن م .
عبدالله بن سعيد الغامدي ( متقاعد )
7 يونيو 2026 م*

