كُتاب الرأي

اليمن… سباق نحو القاع

اليمن… سباق نحو القاع

لم يعد السؤال اليوم: لماذا تراجع اليمن؟
بل أصبح السؤال الحقيقي: هل بقي شيء أصلًا لم ينهَار بعد؟

اليمن لم يعد ينافس الدول على التنمية، ولا على الاقتصاد، ولا حتى على الاستقرار السياسي، بل دخل منذ سنوات سباقًا مريرًا مع أكثر دول العالم فشلًا وبؤسًا؛ سباق عنوانه العريض: من يصل إلى المركز الأخير أولًا؟

في بلد يمتلك موقعًا استراتيجيًا يُعد من أهم المواقع الجغرافية في العالم، وثروات طبيعية هائلة، وسواحل طويلة، وموارد بشرية ضخمة، كان من المفترض أن يكون اليمن في مصاف الدول الصاعدة، لكنه تحوّل بفعل الفساد، والصراعات، والعقليات المريضة، إلى نموذج حيّ لكيفية تدمير الأوطان بأيدي أبنائها.

اليوم، المواطن اليمني لا يبحث عن رفاهية، ولا عن أحلام كبرى، بل أصبح أقصى طموحه:
راتب لا ينهار،
كهرباء لا تنطفئ،
ماء يصل إلى المنزل،
وأمن يمنعه من النوم بخوف.

بلد كامل يعيش على المسكنات؛
هدن مؤقتة، حلول ترقيعية، اجتماعات بلا نتائج، حكومات تتغير، ومسميات تتبدل، بينما الواقع نفسه يزداد انهيارًا يومًا بعد يوم.

المأساة الأكبر أن الجميع يتحدث باسم الوطن، لكن الوطن نفسه غائب.
كل طرف يمتلك مشروعًا خاصًا، وشعارًا خاصًا، وممولًا خاصًا، بينما المواطن وحده هو من يدفع الفاتورة كاملة من عمره وكرامته ومستقبل أبنائه.

لقد تحوّل الفساد في اليمن من ظاهرة إلى ثقافة، ومن استثناء إلى قاعدة.
وأصبحت المناصب غنائم، والولاءات تجارة، والقرارات تُدار بردود الأفعال لا بالتخطيط والرؤية.

أما الخطاب السياسي، فقد أصبح أشبه بإعادة تدوير للكلام نفسه منذ عقود؛ نفس الوعود، نفس الشعارات، نفس التخوين، ونفس النتائج الكارثية.

وفي الوقت الذي تتسابق فيه دول المنطقة نحو الذكاء الاصطناعي، والصناعة، والاستثمار، والطاقة، والسياحة، لا يزال اليمن غارقًا في معارك الشعارات، وصراعات النفوذ، وثقافة الثأر السياسي.

الواقع يقول بوضوح:
لا يمكن لأي دولة أن تنهض بعقلية تعتبر الخراب انتصارًا، والفوضى ورقة تفاوض، وتجويع الناس وسيلة ضغط.

والمؤلم أكثر أن بعض القوى ما زالت تتعامل مع الشعب وكأنه مجرد جمهور للتصفيق، بينما الناس اليوم لم تعد تريد خطابات حماسية ولا بيانات منمقة؛ الناس تريد أن ترى دولة حقيقية على أرض الواقع.

إن استمرار الوضع بهذا الشكل لن يقود إلا إلى مزيد من التفكك والانهيار، وربما إلى لحظة يصبح فيها الحديث عن “إعادة بناء اليمن” أصعب بكثير من الحديث عن إنقاذ ما تبقى منه.

فالأوطان لا تسقط فجأة…
بل تنهار تدريجيًا حين يصبح الفشل أمرًا معتادًا، والكارثة خبرًا يوميًا، والانهيار مجرد تفصيل صغير في حياة الناس.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
7 يونيو 2026

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.