كُتاب الرأي

الملتقيات القبلية.. تعزيز للهوية أم بوابة للتعصب ؟

الملتقيات القبلية.. تعزيز للهوية أم بوابة للتعصب ؟

العنود العنزي 

في السنوات الأخيرة، شهدت الملتقيات القبلية حضورًا متزايدًا بوصفها مناسبات اجتماعية وثقافية تجمع أبناء القبيلة تحت مظلة واحدة، بهدف تعزيز أواصر القربى، واستحضار الموروث التاريخي، وترسيخ قيم التكافل والتواصل بين الأجيال. غير أن هذه الظاهرة تثير تساؤلًا مشروعًا: هل تسهم الملتقيات القبلية في تعزيز الروابط الاجتماعية وحفظ الهوية، أم أنها قد تفتح المجال أمام تنامي التعصب القبلي؟

لا خلاف على أن القبيلة كانت وما زالت جزءًا من النسيج الاجتماعي والثقافي في المجتمع، وأن الاعتزاز بالجذور والانتماء يمثل قيمة إنسانية واجتماعية مشروعة. كما أن الملتقيات القبلية تؤدي دورًا مهمًا في توثيق العلاقات الأسرية، وإحياء الموروث الشعبي، وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخها ورموزها، فضلًا عن دعم المبادرات الاجتماعية والخيرية التي تنعكس إيجابًا على المجتمع بأكمله.

إلا أن قيمة هذه الملتقيات لا تُقاس بمجرد انعقادها، بل بالرسائل التي تحملها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. فعندما تتحول من فضاءات للتعارف والتكامل إلى منابر للتفاخر المفرط أو المقارنات التي تُعلي شأن فئة على أخرى، فإنها تبتعد عن رسالتها الاجتماعية وتقترب من دائرة العصبية المذمومة. فالتعصب القبلي لا يبدأ بالشعارات الكبيرة، بل قد ينشأ من ممارسات بسيطة تُرسخ الشعور بالتفوق أو التمييز بين الناس على أساس الانتماء لا على أساس القيم والإنجاز.

إن المجتمعات الحديثة تقوم على مبدأ المواطنة الجامعة التي تساوي بين أفرادها في الحقوق والواجبات، وتجعل معيار التفاضل هو العمل والعطاء والكفاءة. ومن هنا فإن الاعتزاز بالقبيلة لا ينبغي أن يتعارض مع الانتماء الوطني، بل يجب أن يكون رافدًا له ومكمّلًا لقيمه. فالقبيلة جزء من الهوية، أما الوطن فهو المظلة التي تحتضن الجميع دون استثناء.

وعليه، فإن الملتقيات القبلية ليست مشكلة في ذاتها، بل إن نجاحها أو إخفاقها يتوقف على طبيعة خطابها ومضمون أنشطتها. فإذا أسهمت في تعزيز التلاحم الاجتماعي، وحفظ التراث، وغرس قيم الاحترام والتسامح، فإنها تؤدي دورًا إيجابيًا يستحق التقدير. أما إذا أصبحت وسيلة لإحياء العصبيات أو تكريس الانقسامات، فإنها تفقد قيمتها وتتحول إلى عبء على المجتمع.

ويبقى التحدي الحقيقي في تحقيق التوازن بين الاعتزاز بالموروث القبلي والالتزام بقيم الوحدة الوطنية، بحيث تكون الملتقيات جسورًا للتواصل والتكامل، لا أسوارًا للعزلة والتعصب القبلي

وعليه، فإن الحكم على الملتقيات القبلية لا يرتبط بوجودها بقدر ما يرتبط بأهدافها ورسائلها. فإذا كانت منصات للتعارف والتكافل وحفظ التراث، فإنها تمثل قيمة اجتماعية إيجابية. أما إذا تحولت إلى أدوات للمفاضلة بين الناس أو إثارة العصبيات، فإنها تفقد رسالتها النبيلة وتصبح عاملًا من عوامل الانقسام

في النهاية، تبقى الملتقيات القبلية عنصرًا من عناصر الهوية الاجتماعية، لكن نجاحها الحقيقي يقاس بقدرتها على الجمع بين الاعتزاز بالانتماء القبلي وترسيخ قيم الوحدة الوطنية، بحيث يكون التنوع مصدر قوة وتكامل بين

كاتبة رأي 

 

العنود العنزي

كاتبة واعلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.