كُتاب الرأي

قد يكون الرزق بيدك وهو ليس لك

قد يكون الرزق بيدك وهو ليس لك

أمل عايش الجهني 

كانت الساعة تقترب من الثانية عشرة والنصف ظهرًا، وكنت أجلس في مطار الرياض أنتظر رحلتي المتجهة إلى تبوك. بقي على الإقلاع نحو ساعة، وكان الزحام عند بوابة الصعود رقم 303 شديدًا. مسافرون يعبرون، وحقائب تُجرّ، ووجوه مشغولة بوجهاتها.
وسط ذلك كله، جاءتني سيدة تمسك بيد امرأة مسنّة، وقالت:
هذه ذاهبة إلى تبوك، لا تقرأ ولا تكتب، وليس معها أحد ، هل يمكنك إيصالها إلى البوابة؟
قلت: على الرحب والسعة.
جلست المرأة إلى جواري.
كان العمر حاضرًا على ملامحها بهدوء، في وجه عبرت عليه سنوات كثيرة، وفي يديها أثر حياة امتلأت بالعطاء والتعب. أما حقيبتها فكانت تفوح منها رائحة الحناء، رائحة تستدعي زمن الأمهات والبيوت القديمة والأشياء البسيطة.
التفتت إليّ وسألتني: تحبين الحناء؟
قلت: أكيد الحناء زينة النساء من زمان وإلى الآن.
ثم سألت: والسمن؟
قلت: نعمة من الله.
أخبرتني أنهم منعوها من حمله في حقيبتها اليدوية خشية أن ينسكب.
سألتها: فطرتِ؟
قالت: لا
أكلتِ؟ قالت: لا
مددت يدي إلى حقيبتي وأخرجت فطيرة كنت قد أخذتها لابنتي التي ترافقني في السفر. فتحتها وقدمتها لها.أخذتها وبدأت تأكل بعفوية تشبه الأطفال أكلتها كلها. ثم ناولتها الماء، فشربت حتى ارتوت.
قلت في نفسي: جعلها الله عافية.
وضعت في حقيبتها بعض المناديل لعلها تحتاج إليها في الطريق، ثم رفعت رأسي وتأملت المكان.
كم كان مزدحمًا، وكم كانت الوجوه كثيرة ومع ذلك، انتهت خطوات هذه المرأة عند مقعدي أنا.
وفي تلك اللحظة، جاءني صوت أمي من بعيد، بعبارتها التي طالما رددتها بالعامية:
«اللقمة تنادي صاحبها.»
كم سمعتها منها من قبل، ومرّت بي كواحدة من حكم الأمهات البسيطة.
أما في ذلك اليوم، فقد أيقنت معناها.
الفطيرة التي أخذتها لابنتي وصلت إلى امرأة لم أكن أعرف قبل دقائق أنها موجودة أصلًا. لا موعد بيننا ولا معرفة.
قد يكون الشيء في يدك، وتحسب أنك تعرف لمن هو، بينما يكون الله قد كتب له صاحبًا آخر، وجعلك أنت الطريق إليه.
بعد قليل، أخرجت السيدة ورقة عليها رقم هاتف مكتوب بحجم كبير. أخبرتني أنها ذاهبة إلى ابنة بنتها، وأنها هي التي ربّتها.
كانت تحدثني كثيرًا. أفهم بعض حديثها، ويفوتني بعضه بين لهجتها وضجيج المطار.
وبدأ سؤال يثقل قلبي:
كيف تعبر امرأة في هذا العمر، لا تقرأ ولا تكتب، مطارًا مزدحمًا وحدها، وفي يدها بطاقة صعود لا تستطيع قراءة ما فيها؟
نحن نقرأ رقم البوابة فنمضي إليها، ونسمع النداء فنعرف أنه يعنينا، وننظر إلى الشاشة فنعرف أين نذهب ومتى نصعد.
أما من لا يقرأ ولا يكتب، فقد تكون هذه التفاصيل الصغيرة عالمًا كاملًا من الحيرة. وفكرت في أمهاتنا.
كم أمسكن بأيدينا حين لم نكن نعرف الطريق.
فكيف إذا تبدلت الأدوار؟
لا يليق بالأم التي أمسكت بيد صغيرها حتى عرف الطريق، أن يثقل بها العمر ثم تجد نفسها وحدها تبحث عمّن يدلها عليه.
وحضر في خاطري قوله تعالى:
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
[سورة الإسراء: 24] فالرحمة بهم حين يكبرون، أن نعيد إليهم شيئًا من الأمان الذي منحونا إياه حين كنا صغارًا.
وهنا تمنيت لو يُخصَّص لكل مسن يسافر بمفرده مرافق يبقى إلى جواره منذ دخوله المطار حتى صعوده إلى الطائرة، ومرافق آخر يستقبله عند الوصول حتى يصل إلى أهله.
فكبير السن لا يحتاج دائمًا إلى من يدلّه على الطريق فقط، بل إلى وجه يألفه، ويد تطمئنه، وشخص يعرف أنه لن يتركه وحيدًا وسط الزحام.
وبقي من ذلك اللقاء معنى لا يتعلق بالفطيرة وحدها، بل بما تخبئه لنا الأقدار في التفاصيل الصغيرة.
فالرزق لا يحتاج أن نعرف طريقه، ولا أن نعرف صاحبه.
يكفي أن يكتبه الله، ثم يدبّر سبحانه طريقه إليه.
قد يكون الرزق بيدك… وهو ليس لك.

كاتبة رأي 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.