في ظلال المسرح
«عويس التاسع عشر» لراشد الشمراني

«عويس التاسع عشر» لراشد الشمراني
رياض الشهري
تحتل مسرحية «عويس التاسع عشر»، من تأليف راشد الشمراني وإخراج عامر الحمود، مكانة لافتة في تاريخ المسرح السعودي. وقد عُرضت عام 1987، وتناولت شخصية عيسى، الملقب بعويس، الذي يعمل فراشًا في إحدى الشركات، قبل أن يقرر المدير، بناءً على اقتراح نائبه، إسناد منصب المدير العام إليه ليوم واحد. وقد صنفت المسرحية ضمن الأعمال الكوميدية، كما ارتبط اسمها ببدايات التجريب المسرحي السعودي.
لا تكمن أهمية هذا العمل في فكرته القائمة على انتقال موظف بسيط إلى موقع إداري رفيع فحسب، بل في الإمكانات النقدية التي يتيحها هذا الانتقال لقراءة العلاقة بين الإنسان والسلطة، وبين الموقع الوظيفي والقيمة الإنسانية، وبين الصورة التي يصنعها المجتمع للفرد والقدرات التي قد يخفيها هذا الفرد خلف موقعه المتواضع.
ومن هنا، يمكن قراءة المسرحية بوصفها نصًا يتيح مساءلة التراتبية الإدارية والاجتماعية من خلال المفارقة الكوميدية، ويضع المتلقي أمام سؤال جوهري: هل تتحدد قيمة الإنسان بما يملكه من سلطة، أم أن السلطة هي التي تكشف حقيقة الأشخاص والمؤسسات؟
ويستوقف المتلقي عنوان المسرحية قبل الدخول إلى أحداثها؛ فاسم «عويس» يحيل إلى الشخصية المحورية، بينما تضيف عبارة «التاسع عشر» امتدادًا عدديًا يثير التساؤل عن دلالته.
ومن الممكن، على المستوى التأويلي، أن يفتح العنوان سؤالًا عن الفرد الذي يصبح جزءًا من سلسلة أو منظومة أكبر منه، وعن موقعه داخل نظام يوزع الأدوار والمراتب.
وتبرز هنا إحدى مهام النقد المسرحي: التمييز بين ما يقدمه النص صراحة، وما يتيحه من احتمالات تأويلية، وما لا يمكن إثباته إلا بالعودة إلى بنيته الأصلية.
وتقوم الفكرة الأساسية للمسرحية على انتقال عويس من وظيفة الفراش إلى منصب المدير العام لمدة يوم واحد. وهذا التحول هو المحرك الدرامي الذي تتولد منه المفارقة؛ فالشخصية التي اعتاد المحيطون بها النظر إليها من خلال وظيفة محدودة تصبح فجأة في موقع إصدار القرارات.
إن هذا الانتقال لا يغير المسمى الوظيفي للشخصية فحسب، بل يغير موقعها داخل شبكة العلاقات الإدارية. فالذي كان يتلقى التعليمات يصبح قادرًا على إصدارها، والذي كان يقف على هامش القرار يجد نفسه في مركزه.
وتكمن القيمة النقدية لهذه الفكرة في أنها تكشف الفرق بين المكانة التي يمنحها المنصب للإنسان، والقيمة التي يمتلكها الإنسان بذاته.
فإذا تغير تعامل الموظفين مع عويس بمجرد تغير منصبه، فإن هذا التحول يتيح للمتلقي التساؤل عن طبيعة احترامهم له: هل كان احترامًا لشخصه، أم خضوعًا للسلطة التي أصبح يمثلها؟
وهنا تتحول الفكرة الكوميدية إلى مدخل لقراءة السلوك المؤسسي؛ إذ يمكن للمنصب أن يعيد تشكيل العلاقات في وقت قصير، وأن يكشف أن بعض المواقف لا تحكمها القناعة بقدر ما تحكمها المصلحة أو الخوف أو الرغبة في التقرب من أصحاب القرار.
كماتعتمد الفكرة المعلنة للمسرحية على مفارقة واضحة: موظف يعمل فراشًا يُمنح منصب المدير العام ليوم واحد. وهذه المفارقة تهيئ لاصطدام بين الصورة السابقة للشخصية والموقع الجديد الذي تشغله.
فالمتوقع اجتماعيًا أن يصل الإنسان إلى المنصب الإداري بعد تدرج وظيفي وخبرة محددة، لكن المسرحية تقيم موقفها على انتقال مفاجئ يقلب هذا التوقع.
ومن هذا التناقض تتولد إمكانات كوميدية متعددة، من بينها اختلاف التوقعات بين الشخصية ومحيطها، والتباين بين سلطة المنصب وحدود التجربة الشخصية، والتغير الذي قد يطرأ على سلوك العاملين عندما تتغير هوية صاحب القرار.
لكن الكوميديا هنا ليست مجرد نتيجة لغرابة الموقف؛ إذ يمكنها أن تتحول إلى أداة نقدية تكشف أن بعض المؤسسات تمنح الألقاب والمواقع أهمية أكبر من الكفاءة أو العدالة أو طبيعة العلاقة الإنسانية بين العاملين.
وتتوقف فاعلية هذا النقد على طريقة تنفيذ المفارقة في الحوار والأداء والإخراج، لا على الفكرة وحدها.
إن منح عويس منصب المدير العام ليوم واحد يفتح بابًا لقراءة السلطة بوصفها علاقة اجتماعية، لا مجرد صلاحية إدارية.
فالسلطة لا تظهر في قرارات المدير وحده، بل تتجلى أيضًا في استجابات من حوله: في الطاعة، وفي الاعتراض، وفي محاولات التأثير على القرار، وفي كيفية التعامل مع الشخص الذي يمتلك صلاحية إصدار الأوامر.
وتتيح فكرة المسرحية مساءلة المؤسسة الإدارية من زاوية مهمة: ماذا يحدث عندما يتغير صاحب المنصب بينما تظل قواعد العمل والعلاقات المؤسسية على حالها؟
قد تكشف الإجابة أن المشكلة لا تتعلق دائمًا بالفرد الذي يجلس على كرسي الإدارة، وإنما قد ترتبط أيضًا بنظام العلاقات الذي يمنح الموقع الوظيفي قدرة على تغيير سلوك الآخرين.
وبذلك يصبح انتقال عويس وسيلة درامية لاختبار طبيعة السلطة، ومدى ارتباط الاحترام بالموقع بدلًا من ارتباطه بالإنسان.
ويتيح العمل طرح سؤال اجتماعي يتجاوز حدود الشركة التي تدور فيها الأحداث: لماذا تختلف نظرة المجتمع إلى الشخص عندما تتغير وظيفته أو مكانته؟
فالفرد قد يكون هو نفسه من حيث قدراته وصفاته، لكن المحيطين به يعيدون تقييمه تبعًا لموقعه الجديد. وهنا تتشكل مفارقة بين حقيقة الإنسان والصورة الاجتماعية التي تحيط به.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية في قراءة المسرح الاجتماعي؛ لأن المسرح يستطيع أن يكشف آليات التمييز بين الأشخاص، وأن يضع المتلقي أمام مواقف يرى من خلالها كيف تتشكل المكانة الاجتماعية، وكيف يمكن أن تتغير الأحكام بتغير الظروف.
وفي حالة عويس، يصبح الانتقال الوظيفي أداة لاختبار العلاقة بين المكانة والاعتراف الاجتماعي. فالمسرحية تتيح لنا التساؤل عما إذا كانت المؤسسة تنظر إلى العامل بوصفه إنسانًا يمتلك قدراته الخاصة، أم أنها تختزله في الوظيفة التي يؤديها.
إن هذا السؤال يمنح العمل قابلية للقراءة خارج زمن إنتاجه، لأن العلاقة بين المنصب والتقدير الاجتماعي ليست محصورة في بيئة أو مرحلة تاريخية بعينها.
وتقوم الفكرة الأساسية على وضع شخصية في موقع غير مألوف بالنسبة إلى وظيفتها السابقة. ومن شأن هذا التحول أن ينشئ نقطة انطلاق واضحة للصراع، وأن يمنح الكاتب مجالًا لبناء المواقف الكوميدية وتطوير العلاقات بين الشخصيات.
لا تنفصل أهمية المسرحية عن موقعها في تطور التجربة المسرحية السعودية. فقد أشارت مجلة «القافلة» إلى مشاركة العمل في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي عام 1989، وناقشت هذه المشاركة ضمن سياق ظهور التجريب في المسرح السعودي. كما أشار الناقد المسرحي عباس الحايك، في مادة عن المسرح السعودي، إلى أن «عويس التاسع عشر» مثّلت بداية للمسرح السعودي التجريبي.
ويكشف ذلك عن أهمية دراسة العمل في سياقه التاريخي والفني، وعدم الاكتفاء بالنظر إليه بوصفه مسرحية كوميدية تقوم على تبديل المواقع الوظيفية.
فالتجريب المسرحي لا يعني بالضرورة غرابة الموضوع وحدها، وإنما قد يتصل بطريقة تنظيم العرض، أو بناء الشخصية، أو توظيف الفضاء المسرحي، أو العلاقة بين الممثل والمتلقي.
وقد أخرج المسرحية عامر الحمود، وشارك في تمثيلها عدد من الفنانين السعوديين، منهم محمد العلي، وعلي إبراهيم، وعبدالرحمن الخطيب، وفؤاد بخش، وعبدالله السدحان، وخالد سامي، وناصر القصبي، وفق بيانات العمل المنشورة.
وتتيح «عويس التاسع عشر» قراءة تتجاوز الحكاية الكوميدية عن موظف بسيط يتولى منصب المدير العام ليوم واحد. فالفكرة تفتح مجالًا لمساءلة السلطة والمكانة الاجتماعية، والعلاقة بين الموقع الوظيفي والقيمة الإنسانية، وكيف يمكن لتغير المنصب أن يعيد تشكيل نظرة الآخرين إلى الشخص.
وتنبع أهمية العمل، في هذا المستوى، من قدرته على وضع التراتبية الإدارية أمام اختبار درامي، وتحويل انتقال وظيفي مفاجئ إلى سؤال اجتماعي أوسع: هل تتغير حقيقة الإنسان عندما تتغير مكانته، أم تتغير نظرة المجتمع إليه؟
كما أن ارتباط المسرحية ببدايات التجريب المسرحي السعودي يمنحها أهمية في دراسة تطور الكتابة والعرض المسرحيين في المملكة، ويجعلها جديرة بقراءة تجمع بين تحليل الفكرة وفحص البنية الدرامية والسياق التاريخي والجماليات المسرحية.
إن السؤال الذي تتركه المسرحية مفتوحًا أمام قارئها هو: هل يمنح المنصب الإنسان قيمته، أم يكشف المنصب الطريقة التي يقيس بها المجتمع قيمة الإنسان؟

