نادي القصة

قصة (جحا ٢٠٢٦ )

قصة (جحا ٢٠٢٦ )

رياض الشهري 

في ليلة مقمرة، جلس جحا أمام داره القديمة، يراقب حماره وهو يقضم بعض الأعشاب.
كان الليل هادئًا، والنجوم تلمع في السماء، ولم يكن في المكان ما يوحي بأن شيئًا غير عادي سيحدث.
قال جحا لحمارِه:
ـ أتعلم يا صاحبي؟ لقد عشت عمرًا طويلًا، ورأيت من أحوال الناس ما يكفي لكتابة ألف حكاية، ومع ذلك لا يزال الناس يكررون الأخطاء نفسها!
هز الحمار رأسه.
ضحك جحا وقال:
ـ لا تهز رأسك كثيرًا، فأنا أعرف أنك توافقني، لكنني أخشى أن تطلب مني أجرًا على الاستماع!
وفي تلك اللحظة، هبت ريح شديدة، وارتفعت سحابة من الغبار حولهما. أغمض جحا عينيه، وتشبث بحماره، ثم سمع أصواتًا غريبة، كأن مئات الناس يتحدثون في وقت واحد.
وحين فتح عينيه، وجد نفسه في مكان لم يره من قبل.
أبراج عالية تلامس السماء، وسيارات تمر بلا خيول، وأضواء تتلألأ في كل اتجاه، وشاشات ضخمة تعرض صورًا وأخبارًا.
أما حماره، فكان يقف بجواره، يحدق في المشهد بدهشة.
مسح جحا عينيه وقال:
ـ إما أنني مت، وإما أنني حي، لكنني بالتأكيد لست في المكان الذي جلست فيه قبل قليل!
أخرج رجل من جيبه هاتفًا، وراح يتحدث إليه وهو يمشي.
اقترب جحا منه وسأله:
ـ يا أخي، أين نحن؟
أجاب الرجل دون أن يرفع رأسه:
ـ في عام 2026.
تراجع جحا خطوة.
ـ ماذا قلت؟
ـ قلت إننا في عام 2026!
نظر جحا إلى حماره، ثم إلى السماء، ثم قال:
ـ يا ساتر! لقد غفوت قليلًا، فاستيقظت في مستقبل لم أستأذن منه!
ثم التفت إلى الرجل:
ـ أخبرني، هل ما زال الناس يكذبون؟
رفع الرجل رأسه أخيرًا، ونظر إليه باستغراب.
ـ طبعًا!
تنفس جحا الصعداء وقال:
ـ الحمد لله! كنت أخشى أن يكون العالم قد تغير إلى درجة لا أعرف فيها أحدًا!
الفصل الثاني: الحمار الذي رفض التقدم
قرر جحا أن يتجول في المدينة ليتعرف على أحوال أهلها.
سار في الشوارع، والناس يمرون من حوله، وكل واحد منهم ينظر إلى هاتفه.
كان بعضهم يضحك، وبعضهم يعبس، وبعضهم يتحدث وحده، وبعضهم يصور طعامه قبل أن يأكله.
توقف جحا أمام رجل يلتقط صورًا لطبق من الطعام.
قال:
ـ يا أخي، هل الطعام جميل إلى هذه الدرجة؟
أجابه الرجل:
ـ أريد أن أنشر صورته في حسابي.
سأله جحا:
ـ وهل سيأكل متابعوك منه؟
قال الرجل:
ـ لا، لكنهم سيرون ما آكله.
هز جحا رأسه وقال:
ـ عجيب! في زماننا كان الجائع يبحث عن الطعام، أما الآن فيبحث عن شاهد يثبت أنه أكله!
ضحك الرجل، ثم عاد إلى هاتفه.
واصل جحا السير حتى وصل إلى شارع مزدحم. أراد عبوره، لكن حماره توقف فجأة ورفض التقدم.
شد جحا اللجام وقال:
ـ هيا يا صاحبي!
لم يتحرك الحمار.
ـ ما بك؟ أتخاف السيارات؟
ظل الحمار ثابتًا في مكانه.
نظر جحا إلى الطريق، ثم قال:
ـ فهمت! لقد اعتدت الطرق الترابية، أما هذه الطرق فتحتاج إلى شهادة في الهندسة!
وفي أثناء ذلك، اقترب منه شاب وقال:
ـ يا عم، لماذا تمشي بحمار في هذا المكان؟
رد جحا:
ـ لأنه لا يعرف قيادة السيارة.
ضحك الشاب وقال:
ـ اشترِ له سيارة!
تأمل جحا الشاب قليلًا، ثم قال:
ـ وإذا اشتريت له سيارة، فمن يشتري لي حمارًا آخر؟
ضحك الشاب وانصرف.
أما جحا، فربت على عنق حماره وقال:
ـ لا تحزن يا صاحبي. يبدو أننا الوحيدون هنا الذين لا يحتاجون إلى تمويل لشراء وسيلة نقل!
الفصل الثالث: حساب جحا
جلس جحا أمام مقهى، وطلب فنجان قهوة.
جاءه النادل بقائمة الطعام، فلم يجد فيها أسعارًا واضحة.
سأله:
ـ أين الأسعار؟
قال النادل:
ـ امسح الرمز الموجود هنا بهاتفك.
أجاب جحا:
ـ ليس عندي هاتف.
قال النادل:
ـ يمكنك استخدام هاتف أحد أصدقائك.
نظر جحا حوله، فلم يجد صديقًا يعرفه في هذه المدينة.
قال:
ـ وهل أحتاج إلى صديق كي أشرب القهوة؟
لم يرد النادل، بل أحضر له هاتفًا لوحيًا، وفتح أمامه صفحة إلكترونية.
قرأ جحا الخيارات، ثم توقف عند عبارة: «إنشاء حساب».
سأل:
ـ ولماذا أحتاج إلى حساب؟
قال النادل:
ـ لتسجيل بياناتك.
ـ وأين أسجل حسابي القديم؟
ـ أي حساب قديم؟
قال جحا:
ـ حسابي مع الناس. أعرف من أقرضته، ومن أقرضني، ومن له عندي حق، ومن لي عنده حق. أما هذا الحساب الجديد، فهل سيخبرني من سرق حماري في الماضي؟
ابتسم النادل ابتسامة مرتبكة.
وبعد نقاش طويل، تمكن جحا من طلب القهوة.
وحين وصل الفاتورة، اتسعت عيناه.
ـ هذا ثمن القهوة وحدها؟
قال النادل:
ـ نعم.
أخرج جحا بعض النقود، ثم قال:
ـ في زماننا كنا نشرب القهوة لنتحدث عن أحوال الناس، أما اليوم فيبدو أن الحديث عن أحوال الناس أرخص من القهوة!
شرب فنجانه، ثم نهض.
وقبل أن يغادر، قال للنادل:
ـ احتفظوا بالكرسي، فقد أعود إليه حين أبيع حماري وأشتري فنجانًا آخر!
الفصل الرابع: جحا يدخل عالم الشهرة
في اليوم التالي، كان جحا جالسًا في حديقة عامة، حين اقترب منه شاب يحمل هاتفًا مثبتًا على عصا صغيرة.
قال الشاب:
ـ أهلًا بكم متابعينا! معنا اليوم شخصية استثنائية، رجل يرتدي زيًا قديمًا، ويحمل حمارًا، ويتحدث بطريقة مضحكة!
التفت جحا إليه وقال:
ـ ومن أعطاك الإذن بأن تجعلني استثنائيًا قبل أن تسألني عن اسمي؟
ارتبك الشاب، لكنه واصل التصوير.
ـ يا عم، هل تعرف ما معنى الترند؟
قال جحا:
ـ نعم، أعرف أن الناس قد يركضون خلف شيء، ثم يكتشفون أنهم لا يعرفون لماذا ركضوا!
ضحك الشاب، وقال:
ـ هذه إجابة عظيمة! قلها مرة أخرى!
رفض جحا.
ـ ولماذا أعيدها؟ هل فقدت أذنك الأولى؟
قال الشاب:
ـ أريد مقطعًا أقوى.
ابتسم جحا وقال:
ـ إن كانت الكلمة لا تعجبك إلا إذا قيلت مرتين، فالمشكلة ليست في الكلمة!
انتهى التصوير، وغادر الشاب.
وبعد ساعة، اكتشف جحا أن صورته انتشرت على نطاق واسع، وأن الناس يتداولون عباراته ويضحكون من تعليقاته.
اقترب منه رجل وقال:
ـ مبروك يا جحا! لقد أصبحت مشهورًا!
سأله جحا:
ـ وماذا أفعل الآن؟
قال الرجل:
ـ افتح حسابًا، واجمع المتابعين، ثم ابدأ بالإعلانات.
فكر جحا قليلًا، ثم قال:
ـ وهل أستطيع أن أبدأ بالإعلانات قبل أن أعرف ماذا أبيع؟
ضحك الرجل.
قال جحا:
ـ لا تضحك، فأنا أسأل بجدية. لقد رأيت إعلانًا لشيء لا أعرفه، يقدمه رجل لا أعرفه، ويوصي به شخص لا أعرف إن كان قد جربه!
سكت الرجل.
أضاف جحا:
ـ ثم إنني لا أريد أن أصبح مشهورًا لأن الناس يضحكون مني، بل أريد أن أضحك معهم على أنفسنا جميعًا!
الفصل الخامس: الذكاء الذي لا ينام
سمع جحا أن هناك آلة حديثة تجيب عن الأسئلة، وتساعد الناس على الكتابة والتفكير وحل المشكلات.
ذهب إلى متجر إلكتروني، ووقف أمام أحد الأجهزة.
قال للبائع:
ـ أريد أن أتحدث إلى هذه الآلة.
فتح البائع له تطبيقًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي.
جلس جحا، وفكر قليلًا، ثم كتب:
«أيها الذكاء الاصطناعي، ما الفرق بين الحكيم ومن يدعي الحكمة؟»
ظهرت الإجابة أمامه.
قرأها جحا، ثم كتب:
«وما الفرق بين من يعرف الحقيقة ومن يصدق أول ما يسمع؟»
قرأ الإجابة الثانية، فابتسم.
ثم كتب سؤاله الثالث:
«إذا كان بإمكان الآلة أن تجيب عن أسئلة الإنسان، فهل تستطيع أن تمنعه من ارتكاب الحماقات؟»
ظهرت الإجابة، فأطال جحا النظر إليها.
ثم التفت إلى البائع وقال:
ـ هذه الآلة نافعة، لكنها لا تستطيع أن تحمل الإنسان على العمل بما يعرف.
قال البائع:
ـ لكنها تستطيع أن تساعده على اتخاذ القرار الصحيح.
أجابه جحا:
ـ وربما تساعده على اتخاذ القرار الخطأ أيضًا، إذا أحسن الإنسان صياغة السؤال وأساء فهم الجواب!
فكر البائع في كلامه.
ثم كتب جحا سؤالًا أخيرًا:
«أيها الذكاء الاصطناعي، هل تستطيع أن تخبرني لماذا يملك الإنسان وسائل كثيرة لتوفير الوقت، ثم يشكو دائمًا من ضيق الوقت؟»
طال انتظار الإجابة.
نظر جحا إلى الشاشة، ثم قال:
ـ يبدو أنني وجدت السؤال الوحيد الذي يحتاج إلى أن يعيش الإنسان الإجابة عنه، لا أن يقرأها!
الفصل السادس: سر العودة
مع حلول المساء، شعر جحا بالحنين إلى داره القديمة.
جلس تحت شجرة، ووضع رأسه بين يديه.
قال لحماره:
ـ يا صاحبي، رأينا أشياء كثيرة، لكنني لا أعرف كيف نعود إلى زماننا.
رفع الحمار رأسه، ثم أطلق نهيقًا طويلًا.
وفجأة، سمع جحا الصوت الغريب نفسه الذي سمعه عند وصوله.
هبت الريح، وتصاعد الغبار، وأغمض عينيه.
وحين فتحهما، وجد نفسه أمام داره القديمة، والقمر يضيء المكان كما كان قبل رحلته.
نظر إلى حماره، ثم إلى السماء.
ـ الحمد لله! لقد عدنا!
جلس على الأرض، وأخذ يفكر في كل ما رآه.
ثم قال:
ـ لقد تغيرت البيوت، والطرقات، والملابس، ووسائل الكلام، لكن الناس ما زالوا هم الناس. من يبحث عن الشهرة، ومن يخشى الفقر، ومن يصدق كل ما يسمع، ومن يظن أن امتلاك الأشياء يعني امتلاك الحكمة.
توقف قليلًا، ثم ابتسم.
ـ ومع ذلك، لا بد أن أعود يومًا إلى ذلك الزمن. فما دام الناس يتغيرون في مظاهرهم، فلا بد أن هناك حكايات جديدة تنتظر جحا!
وفجأة، سمع صوتًا من بعيد:
ـ جحا! جحا! هل أنت هنا؟
التفت، فرأى رجلًا غريبًا يقف عند باب الدار.
كان يرتدي ملابس حديثة، ويحمل حقيبة صغيرة، وفي يده هاتف مضيء.
قال الرجل:
ـ أبحث عن جحا.
وقف جحا متعجبًا.
ـ أنا جحا. فمن أنت؟
ابتسم الغريب وقال:
ـ جئت من عام 2026، وأحتاج إلى مساعدتك.
نظر جحا إلى حماره، ثم إلى الرجل.
وقال:
ـ وهل انتهت عندكم مشاكل الناس حتى جئت تبحث عني؟
أجابه الرجل:
ـ بل بدأت مشكلة جديدة، ولا يستطيع أحد حلها!
نهض جحا، وعدّل عمامته، وقال:
ـ إذن، يبدو أنني لن أرتاح قريبًا!
ثم التفت إلى حماره وأضاف:
ـ استعد يا صاحبي، فالمستقبل ينادينا مرة أخرى!
ابتسم جحا، ونظر إلى حماره قائلًا:
ـ يا صاحبي، يبدو أن الناس تغيروا، لكن حماقاتهم بقيت كما هي!
ثم امتطى حماره ومضى، وهو يردد:
ـ لكل زمان حكاياته، ولكل حكاية جحا!

كاتب مسرحي 

رياض الشهري

كاتب مسرحي وقصة ورواية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.