كاميرات تسجل وأخلاق تتوارى

كاميرات تسجل وأخلاق تتوارى
عندما يتحول ألم الآخرين إلى “ترند”
بقلم ✍️ حسين القفيلي
في عصر أصبحت فيه الكاميرا متوفرة في يد كل شخص بلمسة زر، شهدت مجتمعاتنا تحولاً عميقاً في كيفية التعاطي مع الأحداث والواقع. لم يعد التصوير مجرد وسيلة لتوثيق اللحظات السعيدة أو نقل الحقيقة، بل تحول في أحيان كثيرة إلى أداة للتجسس، والتشهير، والاعتداء الصارخ على خصوصيات الناس في أشد لحظات ضعفهم وإنسانيتهم.
لقد بات من المؤلم أن نرى بعض من يُطلق عليهم “صناع المحتوى” أو “المشاهير” يتهافتون بأجهزتهم المحمولة نحو مكان حادث سير، أو حريق، أو موقف محرج يتعرض له إنسان بسيط، لا لتقديم المساعدة أو إبداء الهم الإنساني، بل لسباق حار على أسبقية النشر! أصل هذا التهافت لاهثٌ خلف أرقام المشاهدات، والإعجابات، وتصدر منصات التواصل؛ حتى أصبحت آلام الناس، ومآسيهم، ودموع طفل، أو انكسار رجل، أو فاجعة امرأة، مجرد بضاعة رخيصة تُباع وتُشترى في سوق “الترند”.
إن تجريد الموقف الإنساني من قيمه الأساسية -كالرحمة، والحياء، والمروءة- يُعدّ انحداراً أخلاقياً خطيراً. كيف أسرعت يدٌ لالتقاط صورة لمريض يتألم، أو مصاب يصارع الموت، بينما كان يجدر بها أن تمدّ يد العون، أو ستر العورة، أو كفّ الأذى؟ أين ذهب احترام مشاعر ذوي الضحايا وهم يرون مآسي عائلاتهم متداولة على ألسنة القاصي والداني دون أدنى مراعاة لحرمة الإنسان؟
إن احترام خصوصية الآخرين وحماية كرامتهم ليست مجرد قيم مجتمعية أو ذوقيات عابرة، بل هي مبادئ دين وأخلاق، وقوانين صارمة تُجرّم التشهير واختراق حرمة الحياة الخاصة. والواجب اليوم لا يقع فقط على عاتق المصور أو صانع المحتوى الذي غَمَت عينيه أضواء الشهرة الزائفة، بل يقع أيضاً على المتلقي والجمهور. فالمتابع الذي يتداول هذه المقاطع ويُعيد نشرها أو يتفاعل معها يشارك -من حيث لا يشعر- في إنعاش هذا السلوك وترويجه.
ختاماً، إن الشهرة الحقيقية والمحتوى الناجح لا يُبنيان أبداً على أجساد الضحايا ودماء الجروح ولا على أطلال كرامة الآخرين. إن أسمى ما يمكن أن يقدمه الإنسان لأخيه الإنسان في لحظات الفاجعة هو السَتر، والدعم، والدعاء، أو على الأقل: الصمت والإعراض. فلنتذكر جميعاً أن للناس حرمات، وأن القلوب تُجرح، وأن ما تنشره اليوم قد تدور الأيام لتكون أنت أو من تحب ضحيته غداً.



