كُتاب الرأي

بعد الأوان

بعد الأوان

بقلم ✍️حسين القفيلي 

حين نتأمل محطات العمر، نكتشف شيئاً فشيئاً أن مدارك الإنسان تتسع مع مرور الأيام، ويكسب مع تقدم العمر ثروة حقيقية من التجارب والأحداث. وربما يسأل العاقل نفسه بحسرة أحياناً: “لماذا كنا في ريعان الشباب وقوتنا في كامل طاقاتها ونتعثر في مواقف بسيطة، بينما نستطيع اليوم تخطي أزمات أعقد بكثير بنفس مطمئنة وواثقة؟”

السر يكمن في “التجربة”. في سنين الصبا وقوة الجسد، قد نملك الحماس لكننا نفتقر إلى بوصلة الخبرة، فنحكم بعجلة، ونتعامل بانفعال، ولا نحسن توظيف التجارب أو الاستفادة من حكمة الآخرين. كم خسرنا في مسيرة الطموح والاندفاع من راحتنا، وجهدنا، وأموالنا، بل وخسرنا معها بعض الأصحاب نتيجة سوء الظن المتبادل من الجانبين!

ولكن، وكما يُقال بحكمة بالغة: “الدنيا مدرسة.. مديرها الزمن.. وأستاذها القدر.. وتلاميذها البشر.. نتقابل غرباء.. ونعيش أصدقاء.. ومهما عشنا فيها لا يبقى إلا الوفاء.”

هذه العبارة تلخص فلسفة الوجود بأكمله؛ فالمواقف الصعبة التي تُحيط بنا اليوم، لو عادت بنا الأيام لتجاوزناها بيسر وسهولة، لأننا أدركنا متأخرين أنها لم تكن تستحق كل ذلك التوقف والقلق واستهلاك المشاعر.

من هنا، أتوجه بهذه الوصية لكل قارئ يقرأ هذه الكلمات: اصبروا.. ولا تتعجلوا في الحكم على الأشخاص والأحداث. اعلموا أننا أحياناً كثيرة نرهق أنفسنا ونهلك طاقاتنا أمام أشياء تافهة لا تساوي شيئاً في ميزان الحياة الحقيقي.

لو عاد بنا الزمن قليلاً إلى الوراء، لعرفنا كيف ندفن الأخطاء والصغائر، وكيف نُبرز المواقف الجليلة النبيلة ونجعلها نصب أعيادنا، لتبقى شاهدة على قسوة الزمن وجمال الوفاء. فالدنيا أقصر من أن نملأها بالعداوات، وأجمل من أن نضيعها في سوء الظن؛ فلنترك أثراً طيباً، ولنحفظ للأصدقاء أوفياءهم، ولندع الزمن يعلمنا، فالصبر هو مفتاح كل باب مغلق.

كاتب رأي 

حسين محمد القفيلي

أديب وإعلامي و كاتب رأي وشاعر سعودى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.