أقلام ناشئة

ساعةُ الأزمنة

ساعةُ الأزمنة

في أحد الأحياء القديمة، كان هناك متجرٌ صغيرٌ للساعات يملكه رجلٌ عجوز يُدعى العم سالم. كان المتجر مليئًا بالساعات الكبيرة والصغيرة، وكل ساعة تُصدر صوتًا مختلفًا، حتى إن الناس كانوا يقولون إن المتجر يبدو وكأنه يعزف موسيقى غريبة طوال اليوم.

وكان للعم سالم حفيدٌ اسمه ياسر، فتى فضولي يحب الاكتشاف كثيرًا. كان يقضي معظم وقته داخل المتجر، يراقب حركة العقارب، ويسأل جده عشرات الأسئلة كل يوم.

لكن أكثر ما أثار فضوله ساعةٌ قديمة معلّقة في أعلى الجدار، لم يكن أحد يلمسها أبدًا. كانت سوداء اللون، تتوسطها نجمة فضية صغيرة، وعقاربها لا تتحرك مثل بقية الساعات.

وفي كل مرة يسأل ياسر عنها، يبتسم جده ويقول:
“هذه الساعة مختلفة… وهي لا تعمل إلا لمن يعرف قيمة الوقت.”

ازدادت حيرة ياسر، وقرر ذات ليلة أن يكتشف سرها بنفسه.

انتظر حتى نام الجميع، ثم دخل المتجر بهدوء. كان المكان مظلمًا إلا من ضوء القمر المتسلل عبر النافذة. وقف أمام الساعة القديمة، ومدّ يده نحوها بتردد.

وفجأة…

دقّت الساعة دقّةً قوية اهتزّ لها المتجر كله!

ثم بدأت العقارب تتحرك بسرعة جنونية، وامتلأت الغرفة بضوء أزرق ساطع، قبل أن يجد ياسر نفسه في مكان غريب تمامًا.

كان يقف وسط سوقٍ قديم مليء بالخيول والعربات والناس الذين يرتدون ملابس مختلفة. أخذ ينظر حوله بدهشة، حتى اقترب منه رجل وقال:
“أسرع يا فتى! سيبدأ عرض المخترع بعد قليل!”

ركض ياسر خلف الناس حتى وصل إلى ساحة كبيرة، وهناك رأى رجلًا يصنع آلةً طائرة خشبية وسط دهشة الجميع. أدرك ياسر أنه انتقل إلى الماضي!

ظل يتنقل من زمنٍ إلى آخر كلما تحركت عقارب الساعة؛ مرةً يرى قراصنةً في البحر، ومرةً يدخل مدينةً مليئة بالمخترعين، ومرةً يهرب من ديناصور ضخم كاد يلتهمه!

وفي كل مرة كان يتعلم شيئًا جديدًا:
أن الشجاعة أهم من القوة،
وأن الذكاء ينقذ الإنسان أكثر من السرعة،
وأن الوقت أغلى من الذهب.

لكن المشكلة الكبرى حدثت عندما بدأت الساعة تتوقف ببطء، وبدأت الأزمنة تختلط ببعضها! ظهرت السفن في الصحراء، والديناصورات في المدن، وأصبح كل شيء فوضويًا.

أدرك ياسر أن عليه إصلاح الساعة قبل أن يعلق بين الأزمنة إلى الأبد.

تذكّر كلمات جده:
“الساعة تعمل لمن يعرف قيمة الوقت.”

فهم أخيرًا أن إضاعته للوقت واستهتاره الدائم هما السبب. أمسك بالساعة جيدًا وقال:
“أعدك أن أقدّر وقتي… ولن أضيعه بعد اليوم.”

وفجأة عاد كل شيء هادئًا، واختفى الضوء الأزرق، ليجد نفسه من جديد داخل متجر جده.

وفي الصباح، ابتسم العم سالم عندما رأى ياسر يستيقظ مبكرًا وينظم يومه بنفسه.

قال الجد مبتسمًا:
“يبدو أن الساعة اختارتك أخيرًا.”

ومنذ ذلك اليوم، أصبح ياسر أكثر اجتهادًا، لأنه عرف أن الوقت ليس شيئًا يعود إذا ضاع.

✍🏻نوال فهد القحطاني

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.