أقلام ناشئة

قطيع رقمي

قطيع رقمي

حصل مرةً أنك وجدت نفسك في يومٍ من الأيام تخوض بحماسٍ في تطبيق ترند لا فائدة منه، فقط لأنك تخشى أن تبدو مختلفًا عن الآخرين؟ فأنت هنا لم تتصرف بدافع القناعة، بل بدافع ضغطٍ خفيٍّ يفرضه واقعٌ جديد، واقعٌ أصبحت فيه الشهرة تقود العقول قبل أن يقودها المنطق، وأصبح الانتشار معيارًا للحق عند كثيرٍ من الناس. فلا غرابة أن تتحول الترندات إلى قوةٍ تؤثر في العقول والسلوك.
يا إخوة، إن الترندات سيلٌ جارف، يجرف معه السفهاء من الناس الذين يطبقون ما يشاهدونه دون وعي أو تفكير أو تمحيصٍ مسبق، فيغدون تابعين لا أصحاب قرار، ولا ينجو من هذا التيار إلا من كان على وعيٍ وبصيرة، الذي لا يخدعه بريق الانتشار، ولا تحركه موجة، ولا تستدرجه شهرة، ويبقى واعيًا صاحب قرار. أما هؤلاء الذين يغدون تابعين، فهم أشبه بقطيعٍ رقمي لا يعرف وجهته، بل يسير على خطى السفهاء من الناس ،فمنهم من يعرض نفسه للخطر في سبيل دقائق من الشهرة، ومنهم من يهدر ماله في تقليد ما لا يحتاج إليه، ومنهم من ينشر خصوصياته طلبًا للإعجابات لتصبح الشهرة عند البعض غايةً تبرر كل وسيلة، ولو كانت على حساب الدين والأخلاق والكرامة، وحتى غدا الانتشار عند بعض الناس دليلًا على الصواب، مع أن الحق لا يُقاس بكمية متابعيه. ولا يقتصر خطر الترندات على التحديات الخطيرة، بل يمتد إلى تشكيل الأفكار والأذواق والقيم، فيصبح المقبول ما انتشر والمرفوض ما قل إتباعه، فيذوب الإنسان في رأي الجماعة ويغيب صوته وعقله خلف ضجيج المتابعين. لذلك عليك أن تكون صاحب قرار لا إتباع حتى لا تغرق في سيل السفهاء، فقد قال رسول الله ﷺ:

«لا تكونوا إمَّعةً، إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم؛ إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن ظلموا أن تظلموا.»

وقال: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.

رواه الترمذي.

فإياك ثم إياك أن تسلم عقلك لكل ما ينتشر، تمهل وفكر وميز بين الحق والباطل، وكن استثنائيًا ومنفردًا، لا تتبع القطيع مع علمك أن الاستثنائية والانفراد هي أن تصنع فرقًا في المجتمع، وأن تبتكر ما لم يخلق بعد، عليك أن تصنع اتجاهًا صحيحًا للبشرية ينقذها من الجهل والتخلف والتعصب والطائفية، كن أنت المسار الصحيح لقطيع لا يعرف وجهته.
وتذكر قول الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
[سورة الإسراء: 36]

✍ عائشة وليد عبد المولى

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.