مرثيّة الأندلس
مرثيّة الأندلس
يا أندلُسْ: ما زالَ فيكِ رمادُنا
يبكي، وتضحكُ فوقَهُ الأعنابُ
ما زالَ بابُكِ في الخيالِ مواربًا
والعقل يهذي أين ذاكَ البابُ؟
الحُسنُ كانَ هناكَ يمشي واثقًا
والياسمينُ على الحوائطِ غابُ
كانت لنا شمسٌ، وكانَ لظلِّنا
جِسمٌ، وكانَ لليلِنا محرابُ
في كلِّ نافذةٍ بقايا ضحكةٍ
وعلى مكاتبِنا ينامُ كتابُ
وإذا تذكّرنا مآذنكِ انحنى
في القلبِ بابٌ، واستفاقَ شبابُ
تلك المآذنُ في دمي مشتاقةٌ
كالنبضِ في صدري لها أقطابُ
وأرى المفاتيحَ القديمةَ لم تزلْ
فوقَ الجدارِ، كأنّها أعتابُ
مفتاحُ بيتٍ ضاعَ، لكنَّ الأسى
حرسٌ عليهِ، ودمعةٌ وغرابُ
لمّا قرأت على حجارتكِ الصدى
بكتِ العيونُ، فها هنا أحبابُ
فلعلَّ في أحفادِ حزنكِ نهضةً
تأتي إذا صدقَ النداءُ وتابوا
الحبُّ لا تفنيهِ مملكةٌ مضتْ
والضوءُ لا يطويهِ عنكِ ترابُ
ما زلتُ ألمحُ في الزليجِ حكايةً
عن شاعرٍ ضاقتْ به الأسبابُ
عن كاتبٍ طافَ المجرّةَ واقتفى
سُبُلَ السلامِ، فكيف ذاكَ يُعابُ؟
لكنّنا لمّا تركنا حلمَنا
كسرَ السيوف، تردّدٌ وغيّابُ
لا، ليس موتُكِ زحفَ جيشٍ وحدَهُ
بل كان فينا خنجرٌ وعــذابُ
كان انقسامُ القلبِ أوّلَ سقطةٍ
ثمّ استباحَ الروحَ بُعدُ خرابُ
يا آخرَ الناياتِ فـي عصرِ البُكا
هل في فمِ التاريخِ بعدُ عتابُ؟
هلّا سيبقى فيكِ شيءٌ أخضرٌ
رغمَ الرحيلِ، ورغمَ ما يغتابُ؟
غرناطةٌ تبكي، وأسمعُ رجفَها
حتى كأنَّ الدمعَ هلَّ سحابُ
ما دام في لغتي، وفي وجعي، وفي
حلمي، فكلُّ الأرضِ لي أنسابُ
يا أندلُسْ، نامي قليلًا، إنّنا
نحثو كلامًا، ليس فيهِ صوابُ
يا أندلُسْ، يا جرحَ ماءٍ لم يزلْ
يجري، ويكتمُ صرخةَ العُشّابُ
ما ماتَ فيكِ سوى الملوكِ، وإنّما
وجهُ الحضارة فـي ثراكِ مصابُ
فالنهرُ يحملُ من حرير نسائنا
ما لا يطيقُ حمولَهُ العُبّابُ
والقصرُ، رغمَ الصمتِ، يعرفُ أهلَهُ
والبابُ يعرفُ مَن غدوا وتغابوا
يا ليتَ من باعوا الحصونَ تذكّروا
أنَّ الحصونَ إذا هوتْ أحسابُ
*إبراهيم 1997م*


