كُتاب الرأي

عمل المرأة… المخجل!؟

عمل المرأة… المخجل!؟

بدر بن سالم 

حين يكون النهج واضحًا، لا يجب اللمز به، وأتمنى أن أكون موفقًا بكلامي، عكس من يرى نفسه بصواب ولم يوفَّق.
عمل المرأة في المملكة نقمة تضر عجلة البلد، وتفكك الأسرة، وتصول على عصمة الرجل، ويشم عطرها الرجال؛ هذه كلمات من يريد الشهرة عبر التطبيقات، ويستدرج الناس البسطاء الذين لا يملكون فن الرد والحجج، فينثر ما شاء من القرآن والسنة على هواه مستند بغيرة الرجل وقد ضل، ومن كان شيخه الكتابة أصبح خطؤه أكثر من صوابه.
في عام 1379هـ، صدر أمر جلالة الملك سعود بن عبدالعزيز -رحمه الله- ببداية التعليم النظامي للبنات، ثم بدأت المدارس الحكومية، وكان من أوائلها خمس عشرة مدرسة ابتدائية. وأذكر من مدن المملكة مدينة الخرج، ومن رائدات تعليم البنات فيها فاطمة بنت بديوي العتيبي. تعلم، عزيزي القارئ، أنها جعلت بيتها مقرأةً للقرآن والحساب، وخرج على يديها أكثر من مائة متعلمة في بيتها، ونفخر بأن بلدي اعزهاالله كرّمها وجعلها مديرة لمدرسة البنات.
نتعلم الكرم لأهل الكرم المعطاء، ولا يؤخذ التشريف إلا من يستحقه.
وبنهضة البلد خرجت تاجرات في المملكة، من أمثال الأستاذة لبنى العليان، مدّ الله عليها بالصحة والعافية وبارك الله في مالها. تعلم أيها الجاهل كم فتحت من بيوت وأسر من يعمل في شركاتها، وكم عمل فيها من السعوديين والسعوديات، من الرجال والنساء. أم أن فتح البيت لا يكون إلا عن طريق الرجل؟
وبالأدب والثقافة سأذكر مثالا: ثريا قابل -رحمها الله-، التي تغنى بكلماتها الأستاذ الراحل طلال مداح، والأستاذ محمد عبده. هل تدخل بنت بين كبار القوم من شعراء المملكة؟ نعم، دخلت، وكتبت، وبقي شعرها حاضرًا في وجدان الناس.
وأذكر أن روايةً لي مُنعت، ولم يأتني سبب المنع من وزارة الإعلام، فأتيت إلى وزارة الإعلام المرئي مبكرًا جدًا، وجلست في قاعة الانتظار، ومرت الدقائق الطوال وأنا أنتظر وقت الدوام الفعلي. ثم أمرني رجل ووجّهني إلى مكتب، فطرقت الباب، فوجدت بنتًا في العشرينات. من ناحية كلامها، بدا لي أنها أكاديمية، وبادية بتحضير رسالة، فقلت: الله يفتح عليها كل خير.
بادرتني قائلة إنني أتيت مبكرًا. قلت بلهجتي النجدية: «اعذريني، أستاذتي، الضميان يكسر الحوض».
قالت: «ما فهمت المثل».
قلت: «من شدة الظمأ أنني أقع على حوض الماء وأكسره».
وقالت: « بالعكس حنا بخدمتك وش أخدمك فيه؟»
بدأت لها بروايتي وكتبت، ثم قالت: «عندك ثاني؟»
والله أكرمتني بإرسال تساؤلاتي.
وهذه البنت، حفظها الله، قطرة من تميز المجتمع النسائي عندنا. امرأة شابة، أكاديمية، تؤدي عملها، وتخدم الناس، وتتعامل مع الكاتب والمراجع باحترام.
وفاجعة كورونا، من كان في الصف الأول؟ الأطباء ووزارة الصحة جميعًا في استقبال المرضى والمصابين، وفي مقدمة الأبطال كانت النساء؛ من يستقبلن الحالات الحرجة، ويحرمين أنفسهن من رؤية أبنائهن وأسرهن، ومنهن من أصيبت بهذا الفيروس، ولم يهتممن بكلام الجهلاء والببغاوات المعادين للتطور والملاحظ.
حين تشرفك المملكة بمنصب سياسي، رغم الأمور التي نجهلها، بين الولايات المتحدة الأمريكية تم إرسال فخر السعودي، صاحبة السمو الملكي الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان آل سعود. هل نجهل أن الوالد عبقري سياسي؟ أمد الله بالصحة، والجد نهر لا ينفد من الكرم رحمة الله تعالى .
انظر إلى التسهيلات التي تمت إبان منصبها، وكم أفتخر بسمو الأميرة. ولقد أهديت روايتي «وردة الرماد» إلى سمو الأميرة، تيمّنًا بدورها، وإن كانت الرواية في أصلها اعتزازًا بالنساء في العمل، وهن من يرفعن مقام الدولة.
وكنت بمكتب الدكتور سعود بن صالح المصيبيح في مركز تعارف والإرشاد الأسري، وكان يتحدث عن دور النساء في المركز، وعن الدكتورة فهدة الهنيدي والدكتورة هدى السبيعي، وما قدمنه من تضحيات لأجل إرجاع الأسرة إلى بعضها. وهناك نساء في المركز من مدينة الخرج تعمل لدينا وتعود إلى منزلها.
هل تظن أن أخوات الرجال لا يكنّ مثل الرجال في المواقف؟
أيها الجاهل، لا تكن مثل الحجاج لما أشهرت النعامة سيفها،وهي من فرسان العرب، ولا هاربًا.
هل تعلم من هي نورة التي يقول عنها جلالة الملك المؤسس: «أنا أخو نورة»؟
هي الأميرة نورة بنت عبدالرحمن بن فيصل آل سعود (1875م – 1949م)، الشقيقة الكبرى لمؤسس المملكة العربية السعودية الثالثة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمهما الله-.
تُعد الأميرة نورة من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ المملكة، وقد حظيت بمكانة رفيعة وعميقة في نفس الملك عبدالعزيز، الذي كان يفتخر بها ويجعل اسمها نخوةً له في المواقف الصعبة، فيقول: «أنا أخو نورة».
تميزت بشخصية حكيمة راجحة العقل، وكان لها دور كبير وبارز في دعم شقيقها المؤسس والوقوف إلى جانبه طوال مسيرة تأسيس الدولة وتوحيدها، فضلًا عن مواقفها الإنسانية والاجتماعية الجليلة في استقبال المحتاجين وإصلاح ذات البين. وتخليدًا لذكرها ومكانتها، حمل اسمها أكبر صرح تعليمي نسائي في المملكة، جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن.
وكان رجل فقيرًا معدمًا، لكنه أراد الزواج، ولم يجد أحدًا يرضى به لأنه فقير. فعُرضت عليه بنت تعمل طبيبة، فنظر إلى حاله وإلى الرفض، فوافق مكرهًا وتزوجها.
تغيرت حالته، وبدأ يخرج إلى عمله، وكل أمور الزوج مجابة، وتتصل عليه وتسأله: «ناقصك شيء؟»
وهو أيضًا بدأ يحبها، وبدأ يسمع اللمز عليه في المجالس: ضعيف الرجولة، والناس تضحك.
فتبسم وقال: «حرمتي عن ألف منكم، ولا لكم قدر لجلس ومضى».
قالت له: «ما يحزنك؟»
فسرد لها القصة.
فقالت: «الصباح نطلع سوا».
فخرج معها، واشترت له سيارة فاخرة باسمه، ثم دخلت تطبيق وزارة العدل، وقالت: «البيت اللي ساكنين فيه تراه باسمك».
وهنا أدرك الرجل أن المرأة التي عملت لم تكن تنتقص منه، بل كانت تسنده، وأن الزواج شراكة، وأن قوة الرجل لا تقاس بمنع المرأة من النجاح، ولا برجاحة صوته عليها، وإنما بما يبنيه معها.
فالمرأة السعودية ليست طارئة على نهضة وطنها، ولا دخيلة على العمل والعلم والأدب والتجارة والطب والإدارة والسياسة. من الكتاتيب إلى المدارس، ومن البيوت إلى المؤسسات، ومن التجارة الصغيرة إلى الشركات الكبرى، ومن القصيدة إلى المنصب السياسي؛ كانت المرأة حاضرة.
ومن يختصر المرأة في عطرها وملابسها ومكان جلوسها، فقد اختصر نصف المجتمع في صورة لا تليق بتاريخ هذا الوطن.
والنهضة لا تقوم على إقصاء أحد، وإنما تقوم على أن يأخذ كل إنسان فرصته، رجلًا كان أو امرأة، وأن يكون الحكم على العطاء والعمل والإنجاز، لا على جنس صاحبه.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

‫5 تعليقات

  1. ر

    قرأت المقال ثم قرأت تعليق غلا وردك عليها فوجدت أن أجمل ما في الحوار ربما جاء في نهايته حين قلت إن الأجدر بنا ألا نبقى أسرى لمعركة انتهى كثير من فصولها

    وأحسب أن هذه العبارة نفسها تفتح باباً أوسع من المقال كله

    فالمرأة السعودية اليوم لا تحتاج منا إلى إثبات قدرتها على التعلم أو العمل أو الإنجاز فقد تجاوز الواقع هذا السؤال وأجاب عنه بالفعل

    السؤال الذي يستحق أن نكتب عنه الآن ليس هل تعمل المرأة بل ماذا أضاف عملها وماذا أخذ منها ومنا؟ وكيف نصنع مجتمعاً ينجح فيه الرجل والمرأة دون أن يدفع البيت ثمن نجاح أحدهما؟

    لقد انتقلنا من زمن الدفاع عن حق المرأة في الحضور إلى زمن أكثر نضجاً يحتاج منا أن نناقش جودة هذا الحضور وأثره وتوازنه

    وربما تكون المعارك الفكرية مثل الأدوية أيضاً
    ما كان ضرورياً بالأمس قد لا يكون هو العلاج الذي نحتاجه اليوم
    كمال عثمان

    1. دكتور كمال عثمان، أسعدني مرورك وتعليقك، والأجمل أن يأتي هذا الطرح من معلمٍ أعتز به وأستفيد من مدرسته.

      أتفق معك أن السؤال اليوم لم يعد في إثبات حضور المرأة وقدرتها، فقد أجاب الواقع عن ذلك بوضوح، وإنما في البحث عن أثر هذا الحضور وتوازنه، وكيف ينجح الرجل والمرأة دون أن يكون البيت هو الثمن.

      وأتعلم منك دائمًا أن الفكرة لا تقاس بحدة الموقف، وإنما بقدرتها على فتح أسئلة أعمق وأبقى.

      لك مني كل التقدير والامتنان، وما زلت أقولها بكل اعتزاز: كنت طالبًا في مدرستك، ولا زلت طالبًا فيها.

  2. اول شي قريت الموجود بس مادري الي كتبته كله صح ومحد مختلف فيه ، بس الموضوع ذا قديم حالياً وما يلامس واقعنا الحالي يعني مافي احد يمنع عن المرأة إلا الجاهل وبالنسبة لي قلو يا كثر الاستاذات الي بالمدارس وطالبات الثانوي والجامعة و الطبيبات و الكاتبات مستحيل تدخل مجال ما تلقى موجود فيه أنثى، والحمدلله من فضل حكومة السعودية وانها مافيها قمع للمراة، ولو شنو ما كتبت مارح يفهمون الجاهلين لان الجاهل امره صعب ومن الافضل الشخص يترك الي كذا ويسفهم ويعني الي يتكلمون عن غيرتهم للبنت ناسين ربهم الي ستر البنت وعزها ومستورة ، قد سمّعت بودكاست من دين وطين كان يقول مثال جميل يقول في خلق ادم علمنا التفاصيل من طين ومن صلصال بس حواء ماعطانا اي تفصيل ، من هالمثال تعرف كيف ربي سترها وانها شي عظيم فا ربي جعلها مستوره والبنت لها مكانة عظيمة عند الله والكلام ذا بعد ينطبق على الرجل هو نصف المجتمع بعد ، فا أنا يوم قريت المعذرة بس حسيت النص قديم والموضوع مايشيق الجيل الجديد لانو خلاص ذا ماعاد هو موجود قمع المرأة ، صح في بنات في بيوتهم بسبب الظروف وقمع بس تقدر تشتكي يعني العلم على الجميع صار زي الفرض وحتى الوظيفة

    1. أتفق معك أن واقع المرأة اليوم تغيّر كثيرًا، لكن أنا أختلف معك في أن الحديث عن مكانة المرأة وتمكينها موضوع قديم لا يلامس واقعنا؛ لأن أصل المسألة عندي ليس أن نثبت أن المرأة تستطيع أن تعمل أو تتعلم، فهذا أصبح واقعًا لا يحتاج إلى إثبات، وإنما أن نعرف أن الإسلام نفسه لم ينظر إلى المرأة على أنها كائن هامشي أو بلا رأي وعلم ومكانة.

      يكفيك أن تنظر إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، كيف كان الصحابة والتابعون يأتون إليها يسألونها عن الحديث والعلم والفقه، وكانت مرجعًا يُرجع إليه في مسائل الدين. وتأمل أم محجن رضي الله عنها وموقفها في الدفاع عن رسول الله ﷺ، فالمرأة في المجتمع المسلم الأول لم تكن مجرد متفرجة على الحياة.

      بل حتى قبل الإسلام، في الجاهلية، لم تكن المرأة غائبة تمامًا عن المشهد الثقافي والاجتماعي؛ فالخنساء وقفت في ميدان الشعر إلى جانب كبار شعراء عصرها، وزاحمت الأعشى وحسان بن ثابت في المكانة الشعرية، حتى أصبحت من أشهر شاعرات العرب. وتُذكر أيضًا قصة زوجة امرئ القيس التي كان لها حضور في الحكم بين الناس.

      لذلك أنا لا أرى أن قضية المرأة تُختصر في: هل نسمح لها بالعمل أم لا؟ القضية أعمق من ذلك. المرأة كانت صاحبة علم ورأي وشعر وموقف منذ القدم، والإسلام جاء فرفع قدرها وصانها وأعطاها حقوقها وكرامتها.

      أما اليوم، فالحمد لله، المرأة السعودية موجودة في المدرسة والجامعة والمستشفى والإعلام والأدب ومختلف المجالات، وهذا واقع نراه كل يوم. ولذلك ربما يكون الأجدر بنا ألا نبقى أسرى لمعركة انتهى كثير من فصولها، بل نتحدث عن التحديات الحقيقية التي تواجه الرجل والمرأة معًا، لأن الرجل والمرأة شريكان في بناء المجتمع، وكل واحد منهما نصف هذا المجتمع.

      وأنا حين أكتب عن هذه المسائل، لا أريد أن أعيد فتح معركة قديمة، وإنما أريد أن أذكّر بأن احترام المرأة ليس فكرة مستحدثة حتى ننسبها إلى هذا العصر؛ لها جذور عميقة في تاريخنا وديننا وثقافتنا.

      1. أنا كنت اقصد الموضوع قديم ولا يثير اهتمام الجيل الجديد. وأنا أعتذر، فلم أُرد أن نقول نترك الموضوع نهائياً، بل نقوم بتجديده. فالعنوان لو كان في زمن مضى لكان مثيراً، ولكن عنوان المقال (عمل المرأة… المخجل!؟) لا أعتقد أن أحداً سيلتفت إليه؛ لأنه كما ذكرت كيف تطورت مكانة المرأة في الدولة، ومن زمان ولأنثى كيانها وذو شأن مثل الرجل.ولكن لا ننكر أنه كان في زمن تكثر فيه الجاهلية والذين يستعملون المرأة كجارية ولديهم معتقدات بأن الأنثى ليست إنسانًا، ولم يتوقف هذا الشيء إلا عندما أتى دين الإسلام الذي أعز المرأة وأعطاها حقوقها كاملة.
        إلا أنه كان في زمن عنصرية تجاه البنت رغم أن الدين أعزها، لكنهم كانوا بمفهوم الغطاء والستر يعتقدون بتحجير المرأة وألا يطلع صوتها، وأن تتزوج في عمر صغير، وكان العلم بالنسبة لهم قراءة وكتابة فقط. أما في هذا اليوم ومع جهود الحكومة و لله الحمد فقد تغيرت الحياة واسترجعت المرأة حقوقها وأصبحت معروفة بمكانتها؛ تتوظف في المجال الذي ترغبه والعلم لا يوجد شيء يوقفها عنه،وأي شخص في هذا اليوم يستنقص من المرأة فهو سفيه وناقص، ولو لم يكن ناقصاً لما استنقص من جنس كامل. أنا لا أمانع أن نتحدث عن تطور المرأة، لكنني كوني من جيل جديد أرى الموضوع بكل اختصار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.