*رهان التوتر …*

*رهان التوتر …*
*رؤية تحليلية استراتيجية .*
*تتواصل الإعتداءات والتهديدات الإيرانية ضد دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي رغم الموقف الخليجي المتزن وغير المنخرط في الحرب الأمريكية ـ الإيرانية الراهنة، ورغم الجهود الخليجية المتواصلة للحفاظ على الاستقرار الإقليمي وأمن الممرات البحرية. وتكشف هذه المفارقة أن المشكلة لا تكمن في سياسات دول المجلس، بل في طبيعة النهج الذي يتبناه النظام الإيراني تجاه محيطه الإقليمي.*
*وتعكس التطورات العسكرية خلال الأيام الأخيرة في الخليج العربي ومحيط مضيق هرمز إستمرار هذا النهج بوضوح. فكلما تعرض النظام الإيراني لضغوط سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، اتجه إلى توسيع دوائر التوتر خارج حدوده بدلاً من مراجعة السياسات التي قادته إلى تلك الضغوط. ولذلك لم تعد التهديدات الصاروخية والمسيّرة والعمليات البحرية حوادث منفصلة، بل أصبحت جزءًا من نمط سلوكي متكرر أمكن رصده عبر سنوات طويلة من الأزمات الإقليمية المتعاقبة.*
*ويبدو أن النظام الإيراني ما زال ينظر إلى إدارة الأزمات الإقليمية باعتبارها إحدى أدوات المحافظة على ( أوراق النفوذ ) وتحسين شروط التفاوض والمساومة. ومن هنا جاءت محاولات تهديد الممرات البحرية الدولية، ودعم المليشيات الإرهابية المسلحة، وتوظيف الوكلاء الإقليميين، وإبقاء المنطقة في حالة توتر مزمن يتيح لطهران الاحتفاظ بأدوات تأثير تتجاوز حدودها الجغرافية.*
*ويبدو كذلك أن القيادة الإيرانية ما زالت تعتقد أن كلفة صناعة الأزمات أقل من كلفة التراجع عنها، وأن الاحتفاظ بعوامل التوتر يوفر لها أوراقًا إضافية في أي مواجهة سياسية أو عسكرية أو تفاوضية. ولذلك تستمر هذه السياسات الهجومية التخريبية رغم ما ترتب عليها من ضغوط متراكمة وعزلة متزايدة وتراجع في فرص بناء الثقة مع المحيط الإقليمي.*
وتبدو المفارقة أكثر وضوحًا إذا ما قورنت هذه السياسات بالموقف الخليجي الراهن. فدول مجلس التعاون لم تشارك في الحرب الدائرة بين واشنطن وطهران، ولم تسع إلى التصعيد، بل تمسكت بخيار ( التهدئة ) والحلول السياسية وحماية الملاحة الدولية وأمن الطاقة العالمي. ومع ذلك استمرت التهديدات الإيرانية والاعتداءات بصورة مباشرة وغير مباشرة، وهو ما يعزز الاستنتاج بأن جوهر المشكلة لا يرتبط بمواقف دول المجلس بقدر ما يرتبط بطبيعة النهج الذي يتبناه النظام الإيراني نفسه.
وتحمل التجربة الإقليمية شواهد كثيرة على ذلك. فعدد كبير من الأزمات التي شهدتها المنطقة ارتبط بسياسات التدخل، ودعم التنظيمات الإرهابية المسلحة، وتهديد أمن الملاحة، ومحاولات فرض النفوذ عبر ( أدوات القوة الإجرامية غير النظامية ). وقد ترتب على ذلك خسائر بشرية واقتصادية وأمنية واسعة دفعت شعوب المنطقة أثمانها على مدى سنوات طويلة.
*وأضاع النظام الإيراني خلال العقود الماضية فرصًا تاريخية لبناء علاقات مستقرة مع محيطه الخليجي، مفضلًا رهان النفوذ عبر التوتر على رهان الشراكة عبر الاستقرار. ونتيجة لذلك تراكمت فجوات الثقة، وتعقدت بيئة الأمن الإقليمي، وتحولت كثير من الملفات القابلة للمعالجة إلى أزمات مزمنة امتدت آثارها إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة.*
*أما في المرحلة الحالية، فيسعى النظام الإيراني إلى المحافظة على قدرته على التأثير والضغط الاستراتيجي عبر أدوات منخفضة الكلفة نسبيًا، مع تجنب ( مواجهة إقليمية شاملة ) قد تتجاوز قدراته الفعلية. غير أن هذا النهج يضاعف مخاطر سوء التقدير، ويزيد من احتمالات الاحتكاك غير المحسوب في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.*
*وتبقى الحقيقة الثابتة أن أمن الخليج العربي أصبح جزءًا أصيلًا من ( منظومة الأمن والاقتصاد الدوليين ). فالممرات البحرية الحيوية، وأسواق الطاقة العالمية، وحركة التجارة الدولية، ترتبط بصورة مباشرة باستقرار دول مجلس التعاون. ولذلك فإن أي تهديد يطال هذه المنظومة يتجاوز حدوده الجغرافية ليترك آثاره على نطاق دولي واسع.*
*وتؤكد المعطيات الراهنة أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق عبر الصواريخ والمسيّرات أو عبر إدارة الأزمات وخلق بؤر التوتر، بل عبر الالتزام بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول وبناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة وحسن الجوار. أما الاستمرار في توظيف الأزمات كأداة للنفوذ فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الضغوط والعزلة واستنزاف الفرص.*
*التجارب الاستراتيجية تؤكد أن الدول التي تبني نفوذها على التنمية والاستقرار تتقدم بمرور الوقت، أما الدول التي تبني نفوذها على تصدير الأزمات فتبقى أسيرة الأزمات التي صنعتها بنفسها.*
كتبه :
اللواء البحري الركن / م .
عبدالله بن سعيد الغامدي
*الإثنين ( غرة ) شهر يونيو 2026 .*
