كُتاب الرأي

*بعد تسعين يومًا من الحرب

*بعد تسعين يومًا من الحرب

العالم يدفع الثمن .*

*تحليل استراتيجي تقديري .*

تتجه واشنطن وطهران اليوم نحو محاولة جديدة لتمديد وقف إطلاق النار، وسط تقارير دولية تحدثت عن تفاهم أولي بانتظار موافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خطوة تعكس حجم الإرهاق السياسي والعسكري والاقتصادي الذي أصاب جميع الأطراف بعد نحو تسعين يومًا من المواجهة الأكثر كلفة في تاريخ الخليج العربي الحديث.

غير أن كثيرًا من الدوائر السياسية والأمنية الدولية ترى أن جذور الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بالبرنامج النووي الإيراني، بل تعود إلى عقود من السياسات الثورية الهجومية والتوسعية التي انتهجها النظام الإيراني عبر دعم الجماعات الإرهابية المسلحة والأذرع التخريبية والتدخلات الإقليمية وعمليات التهريب والتجسس وتهديد الممرات البحرية الدولية . هذه السياسات، بحسب تقديرات دولية متقاطعة، ساهمت تدريجيًا في إستنزاف الثقة الدولية، ودفعت المنطقة نحو واحدة من أخطر مراحل الاحتكاك العسكري منذ عقود.

الحرب التي بدأت تحت شعارات الردع وكسر الإرادة تحولت سريعًا إلى معركة إستنزاف واسعة أصابت الأمن العالمي والطاقة والتجارة البحرية والاقتصاد الدولي بأضرار عميقة. وتشير تقديرات اقتصادية ودفاعية دولية متنوعة إلى أن الكلفة العسكرية الأمريكية المباشرة تجاوزت ( 72 ) مليار دولار، بمعدل يقترب من ( 1.2 ) مليار دولار يوميًا، بينما تجاوزت خسائر الاقتصاد الإيراني ( 50 ) مليار دولار، مع انهيارات متلاحقة في قطاعات الطاقة والصناعة وسعر العملة والأسواق الداخلية.

ميدانيًا ، تتحدث تقارير حقوقية ومراكز متابعة مستقلة عن سقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى والنازحين داخل إيران، إضافة إلى خسائر كبيرة في البنية التحتية العسكرية ومنشآت الطاقة والموانئ وشبكات الاتصالات. كما تعرضت وحدات أمريكية وسفن تجارية ومنشآت بحرية لهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة والصواريخ، بينما شهد الخليج العربي أكبر اضطراب ملاحي منذ عقود نتيجة تصاعد التهديدات والهجمات المرتبطة بالأذرع الإرهابية المسلحة المدعومة من الحرس الثوري الإيراني.

أما الاقتصاد العالمي، فقد دفع فاتورة ثقيلة للحرب . فقد تراجع عبور ناقلات الطاقة عبر مضيق هرمز بصورة حادة، وقفزت تكاليف التأمين والشحن البحري إلى مستويات قياسية وصلت في بعض الحالات إلى مئات الآلاف من الدولارات يوميًا للناقلة الواحدة، بينما ارتفعت أسعار النفط إلى قرابة ( 100 ) دولار للبرميل، وعادت الضغوط التضخمية إلى الاقتصادات الكبرى مع تباطؤ النمو وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالميًا. كما امتدت التداعيات إلى أسواق الأسمدة والحبوب وسلاسل الإمداد الزراعية، في مؤشر يعكس الترابط العميق بين أمن الطاقة والأمن الغذائي العالمي.

كذلك أصابت التداعيات الاجتماعية والاقتصادية قطاعات واسعة من العالم، بعد إضطراب سلاسل الإمداد وتعطل بعض خطوط الملاحة والطيران وارتفاع أسعار السلع الأساسية، إضافة إلى تصاعد الهجمات السيبرانية التي استهدفت بنى تحتية وشبكات رقمية ومراكز بيانات مرتبطة بالطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية.

وتشير قراءات قانونية ودبلوماسية دولية إلى أن تهديد الممرات البحرية ودعم الأذرع الإرهابية المسلحة العابرة للحدود واستخدام الصراعات بالوكالة كأداة نفوذ سياسي، كلها ممارسات ساهمت في تقويض الثقة الإقليمية والدولية، ووضعت النظام الإيراني في مواجهة متزايدة مع قواعد الاستقرار الدولي وأمن التجارة والطاقة العالمية، وهي تداعيات قد تستمر حتى بعد أن تضع الحرب أوزارها.

وتكشف هذه الحرب أن الأزمات الكبرى لا تنفجر أو حتى تصعد فجأة، بل تبدأ غالبًا عندما تتحول العقائد الثورية والسياسات التوسعية إلى أدوات لإدارة العلاقات الدولية بالقوة والضغط وخلق الفوضى. كما تؤكد أن العالم لم يعد قادرًا على تحمل كلفة الحروب الممتدة، خصوصًا عندما تصبح الممرات البحرية والطاقة والغذاء رهائن لحسابات أيديولوجية مقيتة وصراعات تتجاوز قدرة العالم على الاحتمال.

*( الحروب الطويلة لا تستهلك الجيوش وحدها… بل تستهلك ثقة العالم واستقرار الشعوب وقدرة الاقتصاد الدولي على التنفس ) .*

كتبه :اللواء البحري الركن / م .
عبدالله بن سعيد الغامدي

*الخميس ( 28 ) مايو 2026 .*

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.