كُتاب الرأي

*المفاوضات التي لا تنتهي .*

*المفاوضات التي لا تنتهي .*

*رؤية تحليلية استراتيجية .*

*بعد أشهر من الحرب، لم تعد المشكلة بين واشنطن وطهران غياب التفاوض، بل كثرة التفاوض. فالجولات مستمرة، والوسطاء يتحركون، والرسائل السياسية لا تنقطع، والتصريحات تتوالى من جميع الأطراف، ومع ذلك ما زالت التسوية النهائية تبدو أبعد مما توحي به كثافة النشاط الدبلوماسي المحيط بها.*

تكشف هذه المفارقة أن بعض الأزمات تصل إلى مرحلة لا يصبح فيها التحدي الأساسي هو فتح قنوات الحوار، وإنما الحفاظ على قدرة هذه القنوات على إنتاج حلول حقيقية. وعندما يحدث ذلك تبدأ العملية التفاوضية تدريجيا في اكتساب حياة مستقلة عن أهدافها الأصلية، فتتحول من وسيلة لمعالجة الأزمة إلى جزء من المشهد الذي يبقيها قائمة.

وتقدم الأزمة الأمريكية ـ الإيرانية الراهنة مثالا حيا على هذه المفارقة. فالمفاوضات لم تتوقف، والاتصالات السياسية ما زالت قائمة، لكن كل جولة جديدة تكشف أن الخلافات أعمق من أن تعالجها البيانات المتفائلة أو التفاهمات المؤقتة. فكلما اقترب النقاش من معالجة ملف معين، ظهرت ملفات أخرى أكثر تعقيدا ترتبط به بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ولعل التصريحات الأخيرة الصادرة عن البيت الأبيض تعكس هذه الحقيقة بوضوح. فالتأكيد على أن الرئيس الأمريكي لن يبرم أي إتفاق مع إيران إلا إذا إستوفى جميع شروطه الأساسية لا يعبر فقط عن موقف تفاوضي متشدد، بل يكشف أيضا أن الفجوة بين ما تعتبره واشنطن تسوية مقبولة وما تعتبره طهران تنازلا ممكنا ما زالت واسعة.

ولا يتعلق الأمر بملف واحد يمكن عزله عن بقية الملفات. فخلف البرنامج النووي تقف قضايا النفوذ الإقليمي، وأمن الملاحة، والعقوبات الاقتصادية، ومستقبل التخصيب، والضمانات الأمنية والسياسية. ولهذا فإن التقدم في إحدى القضايا لا يقود بالضرورة إلى تقدم مماثل في القضايا الأخرى، بل قد يكشف تعقيدات إضافية لم تكن ظاهرة من قبل.

*ويزداد المشهد تعقيدا بسبب تراكم سنوات طويلة من انعدام الثقة. فالأزمة الحالية ليست وليدة الحرب الراهنة وحدها، بل امتداد لمسار طويل من السياسات الثورية الهجومية التخريبية المنظمة ، وتوسيع نفوذ الأذرع( الإرهابية ) المسلحة، والتوترات الإقليمية، والاتهامات المتبادلة، ومحاولات الضغط والاحتواء. ولهذا أصبحت كل خطوة تفاوضية جديدة محكومة بتاريخ طويل من الشكوك المتراكمة.*

ومع مرور الوقت تبدأ ظاهرة أخرى في الظهور. فالأطراف لا تستخدم المفاوضات فقط للوصول إلى اتفاق، بل تستخدمها أيضا لإدارة الأزمة، وكسب الوقت، وتحسين المواقع السياسية، واختبار مواقف الخصوم. وعندما يصل التفاوض إلى هذه المرحلة يصبح من الصعب التمييز بين من يسعى إلى الاتفاق ومن يسعى إلى تحسين شروطه قبل الاتفاق.

*ويكشف التاريخ السياسي الحديث أن بعض الأزمات لا تطول لأن الحلول غائبة، بل لأن كلفة اتخاذ القرار تبدو أعلى من كلفة تأجيله. وعند هذه النقطة تصبح المفاوضات نشاطا دائما، بينما يبقى القرار السياسي الحاسم مؤجلا، وتتحول الأزمة من مشكلة تبحث عن حل إلى واقع يتعلم الجميع التعايش معه.*

*ولهذا لا يبدو السؤال الأكثر أهمية اليوم مرتبطا بموعد الإتفاق أو شكله النهائي، بل بقدرة العملية التفاوضية نفسها على إستعادة وظيفتها الأصلية. فكلما طال أمد الأزمة ازدادت الحاجة إلى حلول واضحة، لكن تزداد أيضا إغراءات الإبقاء على المفاوضات باعتبارها بديلا مؤقتا عن إتخاذ القرارات الصعبة.*

*وهكذا تجد الأطراف نفسها أمام مفارقة غير مألوفة؛ فكلما ازدادت جولات التفاوض، ازداد خطر تحول التفاوض نفسه إلى بديل عن القرار. وعند هذه النقطة لا يعود الزمن يعمل لصالح الحل، بل لصالح استمرار الأزمة.*]

*( بعض المفاوضات لا تفشل لأنها بلا حلول… بل لأنها تستمر حتى يصبح استمرارها بديلا عن الحل ).*

كتبه:
اللواء البحري الركن / م.
عبدالله بن سعيد الغامدي

*الأحد ( 31 ) مايو 2026م .*

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.